ندوة الخطاب الديني في شعر أبي مسلم البهلاني الرواحي مجهول

الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2

الجزء ٢ · صفحة ٣٢

إننا حينما نقرأ هذه القصيدة لا نجد مجالا للشك في تأثر الشاعر بمقامات المتصوفة ، وإن هي جاءت تحت مسمى مصطلح السلوك ؛ فهي لا تختلف عن عناصر مقامات المتصوفة التي تأخذ مسميات : مقام الصبر ، ومقام الرجاء ، ومقام الرضى ، ومقام الرفعة ، ومقام الفقر ، ومقام الورع ، وتكتنف المتعبد في كل مقام من هذه المقامات حالة معينة حددت شروطها كتب التصوف .

ولا يقتصر نسق التكرار في خطاب السلوك لديه على قصائد الحب الإلهي ، وإنما تعدّاه إلى قصائد المدح المحمدي ، فكثير من قصائده تحيل إلى رموز صوفية ومصطلحات لها مكانتها في هذا الجانب ، ومن ذلك قوله مادحا الرسول ( ص ) :

( البسيط )

يا مصطفى الله يا مختار نظرته يا أصل ما اظهر الإبداع من قطر

يا رحمة الله يا مبعوث رأفته يا مظهر اللطف في الأرواح والصور

يا أول الكل بعد الله مبتدعا وأول الكل عند الله في الخطر

يا آخر الرسل لا تأخير مرتبة وإنما السرّ مطوي على الفكر

يا ظاهر بكلمات الظهور على كل الظواهر في سلطان مقتهر

يا باطنا لم تفته الباطنات ولم يدرك مقاماته علم من الفطر

أنوار حبك في قلبي قد انطبعت جبلة كانطباع الشمس في القمر(1)

لقد تتبع الشاعر في هذه الأبيات صفات الرسول محيلا إلى أنساق ورموز سلوكية واضحة الدلالات من مثل (الأول ، والآخر والظاهر والباطن وأول الكل ، وآخر الرسل) وكل هذا التتابع تفرضه طبيعة الموقف المتجانس مع حالة الشاعر المتوحدة بذات الرسول ، والتائقة إلى مرضاته ، فهو بمثابة الوسيط المقرب من الله .

ويأتي تتبع الشاعر لأسماء الله في إطار التسبيح باستعراض أسمائه وتوكيدها ونظمها شعرا دون أن نجد صورة بلاغية طريفة تقوض هذا السرد ، وتخلصنا منه عدا صورة بدت باهتة جامدة ، نلقاها في قوله " مشكاة مصباح " وقد جاءت متوافقة مع طبيعة اقتباسه للأسماء والصفات من القرآن الكريم .

(1) - قصيدة في مدح الرسول " ديوان أبي مسلم ، ص 260 .

٦٤ / ١٧١