الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٤٢فالممدوح في هذه المقطوعة له من صفات الحنكة والسداد والحزم والشجاعة ما تبوأه مكانة جليلة لدى رائيه ، والشاعر حينما يسدي مثل هذه الصفات عليه فهو ينبأ بأنه قد خبره وعرف سريرته .
وفي هذه المرحلة اختفت شخصيات مؤثرة في تجربته الحياتية ، إما بالانتقال إلى جوار ربها ، أو بالسجن والعزلة ، ولا نستطيع وصف تأثير نهاياتها المحبطة والمريرة في نفس أبي مسلم (1) . لقد سقطت آمال كبيرة بفقد شخصياته ، تجرع من ورائها الخيبة والهزيمة لكنه يعود بعدها ليتفاعل مع الواقع الجديد في نهاية العقد الأول من القرن العشرين بعقل أكثر انفتاحا، وبمرونة جعلته يتقبل أوضاعا ما كان يتقبلها من ذي قبل . أعني تصالحه مع السلطة نتيجة الوعود التي كان يحظى بها . ولا سيما تلك المتصلة بأحلام الديمقراطية الإسلامية ومبادئ الإخاء والسلم والعدالة.
وأخيرا المرحلة الثالثة ، وهي لا تطول بحال من الأحوال ، ذلك أنها مرحلة هزيمة ويأس ومرارة ، وهي من الإحباط والخيبة بحيث أنها قضت عليه عام 1920 أي بعد عام من مقتل الإمام الخروصي . وبعد أعوام قليلة من وفاة السالمي ، ولو قدر لأبي مسلم أن يعيش أكثر لرأينا ه كغيره من رواد التنوير حطاما منتهيا ، فالموت والحياة بعد تبدد الآمال متساويان ، وهذا سرّ تكشفه دهشتنا لقصيدته التي يخاطب فيها نفسه : ( البسيط )
ماذا تريد من الدنيا تعانيها أما ترى كيف تفنيها عواديها
غدارة ما وفت عهدا وإن وعدت خانت وإن سالمت فالحرب توريها
ما خالصتك وإن لانت ملامسها و لا اطمأن إلى صدق مصافيها
سحر ومكر وأحزان نضارتها فاحذر إذا خالست مكرا وتمويها
كذابة في دعاويها منافقة والشاهدات على قولي معانيها
تريك حسنا وتحت الحسن مهلكة يا عاشقيها أما بانت مساويها(2)
*********
(1) - يتضح ذلك من خلال مراثيه لقطب الأئمة ونور الدين السالمي ، سالم الريامي . انظر الديوان ص 314 ، 328 ، 341 ، 346 .
(2) - ديوان أبي مسلم ، ص 306 .