الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٤٦…فمن ذلك آداب سلوك يترسمونها في العبادات المفروضة ، وآداب يلتزمون بها في المعاملات ، وآداب أخرى في الصحبة ، وعند مجارات العلم ، وفي أوقات الطعام والاجتماعات والضيافات ، وفي أوقات السماع والوجد، وفي اللباس والأسفار، وفي بذل الجاه والسؤال والحركة من أجل الأصحاب ، وفي غير ذلك من الأحوال والمقامات تطالعنا لهم آداب في الأخذ والعطاء، وادخال الرفق على الفقراء، وفي الذكر والجلوس للعلم ، وفي الرفق بالأصحاب والعطف عليهم ، وآداب تتعلق بالمريدين والمبتدئين ، وبالخلوة والصداقة والمودة.
…وتمثل هذه الآداب السلوكية منهجا عمليا في التربية الروحية التي تقوم عندهم على مايطلقون عليه التخلي والتحلي بقصد تطهير النفس من الرذائل ، ونصفيتها من الشوائب المعطلة للكمال الروحي وتحليتها بفضائل الايثار والصدق والاخلاص والتوكل والرضا والصبر والمراقبة حتى ترسخ قدمها في هذه المقامات فتصير لها كالطبع والعادة.
…ويكشف هذا الجانب التربوي الأخلاقي عن حب عميق للإنسانية كلها، ورغبة صادقة في تحقيق ضرب من الفتوة الروحية في تواضعها وشفقتها وإيثارها وعدم زهوها بما تحقق من أخلاق لأن هذا الزهو داعية لاحباط الأعمال.
…وقد يظن بهذه الأخلاق والآداب السلوكية أنها تعبر عن مزاج متشائم يرفض الدنيوي وينبذ المتع المتاحة في حدود الشرع ، وهو ظن مبعثه الوهم ، ذلك أن الصوفية يقدمون أخلاقا ايجابية تشيد بالفضائل في سياق القدوة الرامية الى التكميل ، وليس هؤلاء كالذين تصلحهم أخلاق المعاوضة والحوافز والدوافع الراغبة في تحقيق المصالح الشخصية ، اذ يقدم الصوفية آداب السلوك والأخلاق في سياق الحب والتجرد من المكاسب والأهواء.