الخطاب الديني في شعر أبي مسلم 2
الجزء ٢ · صفحة ٦٥في هذه الصيغة يروي أبو هريرة أن النبي حين سئل متى جاءته النبوة قال:" وآدم بين الروح والجسد".وسواءا قبلنا رواية "وآدم بين الماء والطين" أو رواية " وأن آدم لمنجدل في طينته "، فان الروايتين تنتهيان الى تصور لكينونة نبوته قبل خلق الأب الأول للنوع الانساني من المادة.وينطوي الحديث على مفارقة اللاحق السابق ، والوجود البعدي الذي هو في الوقت ذاته قبلي. وهي مفارقة ما لها في عرفانيات التصوف الاسلامي الا توازن مفترض بين الحسي والمثالي ، بين الشهادي والغيبي ، اذ عالم الشهادة مرقاة لعالم الغيب ، وما من شيء في الشهادة الا وهو رمز أو مثال لشيء في عالم الملكوت.وقد تداول الصوفية هذا المعنى ، ومن ذلك قول ابن الفارض في التائية:
واني وان كنت ابن آدم صورة ……فلي فيه معنى شاهد بأبوة
وعلى هذا النحو تئول نبوته صلى الله عليه وسلم الى مفهومين ، الأول واقعي تاريخي في الزمان ، مرتبط بوقائع وأحداث وارهاصات ، والثاني مثالي منتقش في علم الله ، مما يعني أنه أدرك ذاته ونبوته في شكل عين ثابتة في الغيب ، وما هية خالصة في عالم الصور المثالية.
وهكذا نمت الصلوات والمدائح النبوية في الأدب الصوفي القديم والحديث ، وانتهت في هذا الأدب كما هو الحال في نصوص البهلاني الشعرية الى أفكار ومعان تجاوزت المدائح التقليدية المعهودة الى سياق متصل بالحقيقة المحمدية ، والروح الأعظم ، والقبضة النورانية ، فهو صلى الله عليه وسلم وصلة بين الألوهية والمألوهية ، ورابطة بين الربوبية والمربوبية ، وبرزخ بين الوجوب والامكان .
ذلكم هو أبو مسلم البهلاني ، صوت شعري متميز ترددت أصداؤه في الأدب العماني وفي الأدب العربي الحديث، وتأسس خطابه على قاعدة صوفية عرفانية تستمد أصولها من أخلاق الفتوة الصوفية ، وتدعو الانسانية في عصر التدابر والشقاق الى الحب والتوادد والكمال الانساني المنشود.
بعض المصادر والمراجع