أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٥٣ويمنح الشاعر الموت القدرة على الإحساس، فيعاتبه على انتقائه لخيار الأمة، كالإمام الخليلي، مبينا له أنه باختياره ذلك لم يقض على شخص بعينه، ولكنه قضى على الأمة مجتمعة، وذلك في خطابه، قائلا:
لم تبق يا موتُ لنا من بَعْدِهِ … رُكناً ولا للأرض طودٌ قد رسا
لم تقض يا موتُ على فردِ امرئٍ … لكنما على الورى كان القَضا(1)
ويدعو الشاعر دولة الأحرار، وأرض الإمامة، أن تلبس السواد، وتنزع ما عليها من زينة، وتجأر بالشكوى لمولاها(2) ويبيّن مقدار محبة الإمام في نفوس الأمة، حتى مخلوقات الله الناطقة، والصامتة، لو أمكنها النطق لأفصحت بفضله، وعبّرت عن مكانته، مبالغة من الشاعر حين يقول:
ألْقى الإلَه في القلوب حُبَّهُ … فأُشربَتْ بِحُبِّهِ أَهْلُ النُّهى
لو أفصحت بهيمةُ الأرض به … لأفْصَحَتْ بما من الفضل حوى
لو نطق الجمادُ كان ناطِقاً … بأنه هو الوحيدُ في الذرى(3)
ويتحدث الشاعر عن سياسة الإمام مع الرعية، التي تمثل فكر المذهب السياسي، المتجسّد في عدم الاحتجاب عن أحد من المسلمين، والمساواة بين فقيرهم وغنيهم، عاش عمره في حفظ مصالح الأمة، وأفنى حياته في الحفاظ على وحدة كيانها، قائلا فيه:
لم يحتجبْ عن أحدٍ ولمْ يكُنْ … يحجُبُه عن العبادُ مقْتضَى
يجالسُ الفقير والمسكينَ لا … مستكبراً وذو العمى والمُبتلَى
لقد أذابَ مُخَّه تعبَّدا … وأنحلَ الجْسمَ وأَوْهَنَ القُوى
وعاشَ في مخافةٍ من رَبِّهِ … وآثَرَ الأُخرى على هذِي الدُّنا(4)
ويؤكد الشاعر عبد الله بن علي الخليلي في رثائه للإمام محمد بن عبد الله الخليلي، هذه السياسة في عدم احتجاب الإمام عن شعبه، قائلا:
يهرعُ الناسُ حولَ أبوابك أفْوا … جاً فتقضي من شأنهم ما شاءوا
(1) المصدر نفسه، 183.
(2) المصدر نفسه، 189.
(3) المصدر نفسه، 189.
(4) الفارسي: منصور بن ناصر، سموط الفرائد 191.