أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٦٥

… وعلى ذلك يحسن بنا أن نتحدث في هذا المقام عن استخدام الشاعر الإباضي جملة من الألفاظ والمصطلحات والأساليب الصوفية المدونة في قواميسهم واستخداماتهم الخاصة، ولكنه لم يكن يستخدمها كاستخدام الصوفية لها، بل هو استخدام لا يتعدى المعنى المعجمي لهذه الألفاظ والمصطلحات، دون أن يحمّلها بُعدا صوفيا خاصا.

… ومن أبرز الموضوعات التي عالجها الشعراء الإباضيون في هذا المجال الزهد في الحياة والتحذير من الدنيا وآفاتها، ويعد الشاعر أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي (ت1237هـ) من أوائل الشعراء المتأثرين بالنهج الصوفي في عمومه، حيث اتجه الشاعر إلى النفس، في محاولة لرسم معالم إصلاحها، والخروج بها من ربقة الهوى، إلى عالم يسمو بها إلى مرتبة العبودية الحقيقية لله عز وجل، ويدعو إلى تنقية النفس من ظلم الجهالة والهوى فيقول:

فَقَدّسْ هُديْتَ – النَّفسَ من رين جَهْلها … به عاجلاً تْمحقْ به الذاتَ والذنْبا

وبادرً إلى تجريدها من مزاجها … وإخراجها من يمِّ أمشاجها سَحْبَا

فإني أراها عن يقين غريقةً … على قبحها في قعْر بحْرِ الهْوىَ عَطْبا(1)

… ويمضي الشاعر في التحذير من النفس، مبينا أن حب الله لا يكون إلا بامتثال أوامره، والانشغال بحبه عن كل ما سواه، قائلاً في صفات من يتمكن من الوصول إلى مرضاته:

حَدا عيسَهُ روْماً له لا لغيرِه … على ظهر رَوْض الحُبِّ مهما دُعى لَبّا

يجوبُ الفلا منها بها في مروجِها … على أوجها منها بمعراجها هَضْبَا

ولمّا يزلْ في صمده قاصدُاً له … بمرصاده حتى تنيخ به الركبا

فنى في هواه عن سواه له به … وعدّ عن الأغيار في غوره عَصْبا(2)

وهذه من مراتب الكمالات التي لا يصلها الإنسان إلا إذا ارتقى بنفسه إلى مرتبة اليقين والإخلاص، عندها تتفجّر ينابيع العلم في قلبه(3) فيمتلك زمام نفسه، فيقول:

(1) مجهول: مجموع القصائد، مخطوط، مكتبة السالمي، 74.

(2) المصدر نفسه، 75

(3) المصدر نفسه، 76.

١٦٥ / ٢٥٦