أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٦٦

فطوبى لمن في نفسه عن صفاتها … تخلّى وحلّى قلبه فانجلى هَجْبا

وأرخى إلى مولاه هوجاء نفسه … مُجدّاً على جدّ لوجدٍ جَرى ضَرْبا

ولمّا يزلْ يرقى بمرقى التقى بها … يرَومُ الرِضا خوف الشّقا إن قضى نَحْبا(1)

… حيث أن الغاية التي يسعى الشاعر الإباضي اليها، ليس الوصول إلى تجلي الذات الآلهية للسالك، بل نجده يركز على الارتقاء بالنفس، ناشداً القبول من الله عز وجل، كي يعبر بالنفس إلى السعادة الأبدية المتمثلة في رضاه ودخول جنته، خوفا من الوقوع في العذاب الأبدي، ولا بأس بعد ذلك أن يهنّئ من يتمكّن من الوصول إلى تلك المرتبة، مستفيدا من بعض مصطلحات التصوف، كالمقامات والمريد، في قوله:

مضَى في مقامات اليقينِ على الرّضى … نشا فانْتشَى عن غيرهِ والهاً رُعْبا

عميداً لمولاه مُريداً له به … يعبُّ الذي أولاه في حُبًّه نعبأ

هنيئاً له يا حبّذا من سُميدعِ … صفيِّ خفيِّ والعَصيُّ له تبّا(2)

… ونجد الشاعر بشير بن عامر الغزاري (من علماء ق13هـ) يخاطب الإنسان الذي غرته الحياة، فنام نوما هنيئا، ناسيا أجله، فأي راحة وهناء لمن يلاحقه الموت، وترصده المنايا، متسائلا كيف تطعم عيناه الغمض؟ جاء بذلك في صورة الوعظ والإرشاد، داعيا إلى الاستعداد لليوم الذي يتحتم وقوعه.

… ولا ريب أن مثل ذلك القول، وتلك الرؤية لا تتعارض مع الفكر الإباضي الذي يرى وجوب الاستعداد لهذا اليوم، وعدم الاغترار بالأماني، فإن من دخل النار عندهم لا يخرج منها فيقول الشاعر:

أيها الغرُّ كيف تطعَمُ غَمْضَا … والمنايا يرْكُضنَ حولَك رَكْضا

بادر الموت للمعاد بزاد … صالح تلقَ ما تحبُّ وترضى

تب إلى الله من معاصيك وانْدُبْ … عُمَراً منكَ في الذّنوبِ تقضّى(3)

(1) المصدر نفسه، 76.

(2) المصدر نفسه، 76

(3) البوسعيدي: حمد بن سيف بن محمد، قلائد الجمان، 33

١٦٦ / ٢٥٦