أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٦٨لم ينجُ منها سوى المستبصرين بها … ولا تَوَهَّقَ فيها غيرُ غاويها
فَرَّوا إلى الله من دُنيا تجارتُها … خُسْرٌ وغمٌ وآفاتٌ تُصاليها
رأوا يقينا بأن الله حقَّرها … فنابذوها ولم يُصغوا لداعيها
وحاربوا النفسَ والشيطانَ واجْتنبُوا … ذُلَّ الحياة لريِّ من سواقيها
أزكى بضاعتهم منها قناعُتهم … على الكفافِ وأن تبقى لأهليها(1)
إنها أبيات في الزهد، ولكنها أيضا ترسم سمات الشراة الذين لم يلتفتوا إلى الدنيا ولم يصغوا لإغراءاتها، وكما دعا الإنسان إلى المبادرة بالتوبة، نجد أنه يحذره من مغبة المعصية، مشيرا إلى مصطلح العاصي عند الإباضية وهو "كفر النعمة" وعليه فإنه ليس أمامه سوى التوبة النصوح حين يقول:
لزمتَ فعلَ معاصيه بنعمته … أنعمة الله بالكفرانِ تُجزيها
تغذوك نَعْماهُ يابطَّال ناميةً … بغير حولكَ فضلاً منه يوُليها
وأنت تقوى مليَّا في مَسَاخطه … بنعمة منه لا مخلوقَ يُحْصيها
فأفرِغ الدَّمْعَ إنَّ الذنبَ منطبق … ياغُمَّة ليس غير التوب يجليها(2)
ويأتي تحذير الشاعر سعيد بن خلفان الخليلي من الدنيا ممتزجا بالتأمل فيها، في نظرة فلسفية تقوم على مبدأ التفكير بداية، ثم الاستنتاج ثانيا، حين يقول:
وأرنو إلى الدنيا بعين تفكُّرٍ … فلم أرني أرنو إلى غير هُجرانِ
ولم أرها إلا غروراً وزخرفاً … تُشوّشُ لي ديني فكنُت لها شاني(3)
… ومن هذا المنطلق فإن الشاعر لم يقْلُ الدنيا، إلا وهو عارف بأحوالها، فحبها وحب الله لا يستويان، ولذلك شد الشاعر رحاله، مولّيا وجهه صوب خالقه، متوكلا عليه، بعد أن أشرق نور الإيمان في قلبه قائلاً:
فوجَّهتُ وجهي تاركاً كلَّ مظهر … إلى المظهر الأعلى صرفتُ عناني
وخلَّفتُ كلّ الكائنات ترقياً … فعاينتُ نورُ الحقِّ نصبَ عياني
فلمْ أر نفسي أو شهدتُ ظهوَره … وأينَ الدُّجى قد أشرق القمرانِ
(1) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 355
(2) المصدر نفسه، 356
(3) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخ، 29