أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٦٩

بدا فاختفى كلُّ المظاهر وانتفى … سواه فلا غيرٌ هنالكَ ثانِ(1)

… إن هذه النظرة الزهدية إلى الدنيا والحياة، تكتسب توجهها عبر نظرة سلوكيةٍ تصوفية، ارتقى بها الشاعر لتعبّرَ عن وجهة نظره نحوها، لا سيما أن ألفاظها (فعاييت نور الحق – شهدت ظهوره – بدا فاختفى) أسلوب صوفي، فيه من الإشارة الدالة على الوصول الحقيقي إلى الله سبحانه، لكن قارئ هذه الأبيات من منطلق فكري آخر، عارف بمقاصد الشاعر وعقيدته، يجد أن الشاعر لم يذهب الى ذلك، فهو بعد أن ترك الدنيا وراء ظهره، وأبصر الحق بشأنها، أشرقت في نفسه شمس الحقيقة، فتجلّت له عظمة الله من خلال آياته، فأشرب قلبه بحبه، واختفى ما عداه، إذ لا يستحق أن يستقر في قلب المخلوق سواه، يؤكد ذلك إشارة الشاعر على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلى العلامة التي يستطاع بها قياس مدى استعداده للقاء ربه حيث يقول:

وقال لمن رام العلامة انها … المجافاة … عن دار الغرور بسلوانِ

منيباً إلى دار الخلود تأهَّباً … ليومِ نزول الموت أُهبَة لهفانِ(2)

… ومن القصائد المتأثرة بالتصوف قصيدة نلمس من خلالها المسحة التصوفية، بما يمثل شخصية (السالك) الذي نزع من قلبه كل شيء عدا حب الله عز وجل، فأشرق نور الإيمان في قلبه، وكانت لفظة "العارفين" من الألفاظ التصوفية التي استخدمها الشاعر أبو نبهان الخروصي حين يقول:

شموسُ قلوب العارفين بوازغُ … ومن حُبِّ غير الله هنَّ فوارغُ

لها في خفيّات الخفيِّ مطالعً … وفي غَرْبِ أعيان العَيانِ مبازغُ

وفي سرّ إشراقِ النفوسِ مشارقً … لآفاق أوفاقِ النقاقِ دوامغُ(3)

… ونجد في سلوكيات هذا الشاعر مسحة تأملية في مخلوقات الله، بدأ كل بيت فيها بكلمة "سبحان" للدلالة على عظم شأنه عز وجل، والتفكر في مخلوقاته الدالة على

(1) الخليلي: سعيد بن خلفان، الديوان، مخ، 12

(2) المصدر نفسه، 28

(3) الخصيبي: محمد بن راشد، شقائق النعمان، 1: 147.

١٦٩ / ٢٥٦