أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٧٠بديع صنعه، وفيها نلحظ تأثر الشاعر بالبعد الفكري الإباضي في جانبه العقائدي، يقول الشاعر:
سُبحانَ من شهدَ الوجودُ بجوده … ووُجوده سُبحانَه سُبْحانَا
سُبحانَ من هو أوّلٌ بلْ آخرُ … قد كانَ فرْداً دائماً منّانا
سبحانَ من هو ظاهرٌ في فعْلِهِ … بَلْ باطنٌ في وَصْفه مولانا
الى أن يقول في توحيده سبحانه:
سبحانه القدّوسُ قدّسَ نَفْسَهُ … وبسورة الإخلاص عنه أبانا
سبحان من قد يستحيلُ بوصفه … أنّى وأين وكيف بل أيَّانا(1)
وطبيعي ألا نفهم التصوف أو السلوك عند الشاعر الإباضي، كما هو الحال في فلسفة المتصوفة، ذلك أنهم لا يتوقون إلى انكشاف الحقيقة الموصلة إلى التجلي الحقيقي للذات الإلهية، بقدر ما يسعون إلى التعرف إليه من خلال آياته، فالشاعر أبو نبهان الخروصي، حين أشار الى أقسام العارفين بالله يقول:
والناظرون بنور الله نورهمِ … في قالبِ مثل نور الشمس مركوزُ(2)
أهلُ الجهادِ وأهل الاجتهادِ هم … أربابُ وجد لهم في السّر تمييز
فالسرَّ منكشفٌ في حقهم وكذا … ما في الحقائق بالتحقيق مكنوزُ
تعرَّفوا الحقَّ لما الحقّ عرَّفُهم … عُرْفَ المعارفِ والتعريفُ تعزيزُ
واستنشقوا من ختامِ الحبِّ رائحة … راحوا بها وجَميعُ الغيرِ مفلوزُ(3)(4)
والناظر الى هذه الأبيات وما بعدها على ما تكتنفه من أساليب صوفية، لن يجد في ثناياها ما يخرج عن دواعي التوحيد، ولوازم الإيمان، فبعد أن تحدث عن انكشاف سر معرفة الله، من خلال ما عرفهم به من الآيات الدالة عليه، ركز على نتيجة مهمة، ذات انعكاس عقائدي إباضي، وهي أنه سوف يتجلّى لهم كل شيء من الحقائق الكونية والمعرفية عدا ظهوره لهم ظهورا حقيقيا، فيقول:
فأشرقت من دياجي الجهلِ أنفسُهم … نوراً به إذبه الإيمانُ معزوزُ
(1) المصدر نفسه، 140
(2) مركوز: ثابت
(3) مفلوز: خسران
(4) انظر القصيدة في جريدة عمان، الخميس 26 رجب 1415هـ، 29/12/1994، 12.