أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٧٢… ومن ثم يدخلنا الشاعر إلى عالم من الرموز الصوفية، التي يتجاوز بها الشاعر العالم الحسي إلى ما وراء الواقع، في لغة أقرب إلى الإشارات المجازية، من مثل (الراح، والروح والشغف والسكر والتلاشي والوصال، والشرب والخمر والشوق والتوق والغوث..الخ"(1)
… وتشكل مناجاة الله سبحانه وتعالى والجأر إليه بالدعاء، إقراراً بالتقصير في حقه، جانبا من جوانب التأثر بالأسلوب الصوفي في بنائه العام، فالشاعر خلفان السيابي، يناجى ربه، متوسلا إليه، باثا شكواه، مقرا بعيوبه في قصيدته "القطرة الغيثية والوسيلة الإلهية" حين يقول:
على بابِ من أهْوى يلذّ لي الذلٌ … فياعزَّ قوم تحت أعتابه ذَلّوا
أحبَّتنا إنَّ الصُّدود مُعذّبي … ولكنْ عذابي مُرُّه فيكم يحلوُ
أجودُ بنفسي في هواكم وإنّها … لمن عندكم والفرعُ مرجعُه الأصْلُ
فإن تقبلوها فهو لي غايةُ الْمُنَى … وإلاّ فواويْلاه أنْ دُفعَ البَذلُ
تَقَطَّعت الأسبْابُ إلاّ إليكمُ … وَرثَّتْ عرى الآمالِ وانفصمَ الحَبْلُ(2)
ويتوجه الى الله سبحانه معترفا بذنوبه، معددّا عيوبه، طامعا في كرم مولاه، مكررا "إلهي في عدد من الأبيات حين يقول:
إلهي أنا العبدُ الذي جاءَ حاملاً … ذنوباً وأوزاراً بها غرّه الجهلُ
إلهي أنا العبدُ المسيء الذي جنى … على نفسه ما لا يُطاق له حملُ
إلى أن يقول:
إلهي أنا العبُد الذليلُ وكيف لا … وعِزّكَ منْقادٌ له البعضُ والكُلُّ
وكيف ينالُ الضيمُ والهضمُ جانبي … وأنت نصيري أم يمُّر بي الذلُّ(3)
ولتأكيد عظمة الله سبحانه، وبيان توحيده، وحقيقة العبودية له، فإنه ينعته بصفات الكمال، وصفات التنزيه، منطلقا من فكر إسلامي أصيل في عمومه، إباضي في عقيدته، قائلاً:
لقد دفعتنى الكائناتُ بأسرها … إليكم فلا وَعْرٌ يقيني ولا سَهْلُ
(1) المصدر نفسه، 21، 22
(2) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 133.
(3) السيابي: خلفان بن جميل، بهجة المجالس، 135