أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٧٤

ومن ثم يبين الشاعر أنه لابد من تحويل هذه المقامات الإيمانية إلى واقع عملي، يستشعر الإنسان فيها عظمة ربه، ودقة مراقبته له، والله سبحانه لم يطلب من الإنسان الإيمان بهذه الأركان لمجرد النطق والذكر، ولكنه مُطالب بأن يتخذ من كل موقف إيماني طريقا يتلمسه للوصول إلى حقيقة تلك المقامات كقوله:

فبالله إيماني يقيٌن يقيُمنى … ويُقْعدُني لله في كُلّ أحْيانِ

وُيلهمنُي سرَّ القيام بخدْمتِي … لطاعة مَوْلايَ الذي هو سوَّاني

فبين الرَّجا والخوف منه أقامني … ذنوبٌ أخافت أو رجاءٌ لغفران(1)

ويتحدث عن حالات السالكين، ومجاهدتهم مبينا الأسباب التي ترقى بهم للوصول إلى المقامات العليا، مركزاً على وجوب تقديس المولى عن الرؤية الحقيقية بالعين، حين يقول:

يحنُّ إلى ذكر الحبيب وَقُر به … حنينَ الثَّكالى قد ضُنْين بأشجْان

تبتَّل في الأذكار عن ذكرِ نفسه … فغابَ بها عنها وكان بها فان(2)

ولاح تجلّي الحق فيه لعينه … بمرآته كشفا يراهُ بوجدان(3)

والناظر في شعر أبي مسلم الرواحي في بعده السلوكي التصوفي، يصعب عليه الإحاطة بأذكاره لأن أغلب شعره أذكار وتوسل، حيث يستغرق شعره السلوكي نصف ديوانه تقريبا.(4)

… وحسبنا أن نأخذ نماذج ممثلة لقصائده السلوكية، كمطلولته التائية، التي بلغت ألفا وخمسمائة بيت وأربعة وتسعين بيتا، في المناجاة الإلهية والتضرع للمولى سبحانه من خلال التوسل بأسمائه الحسنى، حيث يبتهل إلى الله سبحانه، ضمن خلوة روحية، اختار لها الفن الشعري وسيلة لذلك، متقرّبا بأسمائه، قائلاً:

بأسمائك الحُسْنَى تقرّبتُ سَيِّدي … إليكَ مجدَّا في هتافي وقربتِي

جعلتُ سمير الطَّبْعِ ترتيل ذكرها … لوجهك ربي خلوةً بعد خلوةِ

بحقّك أمْطرْني سحائب سرِّها … بما خصّ كلاّ من كمال وقوّة

(1) المصدر نفسه، 28، 29.

(2) الأصل أن يقول "فانيا" لأنها خبر كان.

(3) المصدر نفسه، 35.

(4) حيث تستغرق قصائده السلوكية من ص 5-185.

١٧٤ / ٢٥٦