أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٧٥

وهبْ لي بها من كُلّ خير أتمَّه … إلهي في الدنيا في الأخرويَّة(1)

علما أن الشاعر قد ذكر في مقدمة قصائده السلوكية هذه، أنه جعل من نفسه خادما لطريقة هام بها قبله أهل الاستقامة "الإباضية" احترازاً منه، وتوقعا لما يمكن أن يلقاه من تساؤل أو انتقاد لهذا التوجه، وقد حشد في هذه المقدمة جمعا من المفردات الصوفية التي أدخلها قاموسه الشعري مؤكدا على أنه انتقى أذكاره – هذه- من نيّر الذكر "القرآن الكريم" حيث يقول:

نصبتُ لهم من نيّر الذكر مَعْلما … وبؤأتُهم من أنْفع الذُّخْر مَغْنمَا

وصيَّرتُ نفسي خادماً لطريقةٍ … بها هامَ أهلُ الله في الأرض والسَّما

فيالرجال الحُبّ والكأسُ مُفْعمٌ … هلُمَّ اشربوا هذا المغنَّى ترنما

عصرتُ لكم من خمرةِ الله صفوها … فموتوا بها سُكرْاً فما السّكرُ مأثما

لقد هام أهل الاستقامة قبلنا … بها فانتشوا بين الخليقة هُيّما(2)

ولذلك نجد أن أبا مسلم الرواحي قد اتخذ الشعر متنفّسا يبعث من خلاله صادق دعواته إلى الله سبحانه، مستثمرا ما يدل عليه معنى كل اسم من أسمائه الحسنى، يدعو بها مولاه، يدلنا على ذلك ما ورد في خواتم دعواته التوسلية التي يضعها نهاية كل نفحة من نفحاته السلوكية، كأن يقول بعد أن توجه إليه بجميع أسمائه الحسنى:

إلهي هذا موقفُ الخوفِ والرّجا … وهذا مقامُ العائذِ المتُثبِّتِ

إلهي ما أوقفتني موقفَ الدّعا … لطردٍ وإبلاسٍ ويأسٍ وخَيْبةٍ

إلى أن يقول معبرا عن محبته سبحانه وشوقه إلى لقائه:

حدا بي إليكَ الشوقُ والذوقُ سيّدي … وأوقفتُ ذنبي تحتَ عزّ المشيئةِ

وقدَّمتُ نفسي قذّرتها ذنوبُها … لتغسِلها بالرَّحْمةِ الأزليّةِ

وقدّمْتُ نفسي والمصائبُ جَمّةٌ … لتْلطفَ بيْ في النازلاتِ الوبيلةِ(3)

(1) الرواحي: أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم، الديوان مخطوط، 70

(2) المصدر نفسه، 5

(3) الرواحي: أبو مسلم، ديوانه، مخ، 68، 69.

١٧٥ / ٢٥٦