أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٨٠ويكرر صورة نظرية الحقيقة المحمدية باعتبار الرسول - صلى الله عليه وسلم - علة الوجود وسره، فهو المتقدم المتأخر، يقول الشاعر:
العاقبُ الماضي الذي آياتُه … في صفحة الأكوانِ قدماً تُقرأُ
المصدرُ الأصلُ الذي قامت … عليه … الكائناتُ فكان منه المنشأ(1)
وتتكرر هذه المعاني على لسان الشاعر عبد الله الخليلي، فقد وصف الرسول في مدحته بأنه نور الوجود، وروحه فلولاه لما نبض عرقه، ولا جرى ماؤه، فيقول:
أنت نورُ الوجود يا صفوةَ … الله … وأنت المقامةُ الشَّمّاءُ
أنت روحُ الوجود لولاك لم … ينبض … عليه عرقٌ ولم يجرِ ماءُ(2)
ونجد الشاعر الخليلي في مقام آخر يتحسر على ما آل اليه وضع الأمة فينادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طالبا منه أن يدرك هذه الأمة(3) فيقول:
ما باُلنا يا رسول الله في دمنا … ندعوكَ دعوة جزّار على وضمِ
نحنُ الّذينَ ورثنا منكَ شيمتَنَا … فما لها تدّعيها سائرُ الأممِ(4)
ويعترف الشاعر بعجزه عن بلوغ حقيقة مدحه فيقول:
يا من أُجلُّ عن الإطرا وأُكبرهُ … عن صيغةِ المدْحِ في معنىً وفي كَلمِ
لو ارتقيتُ سماءَ العرشِ ممتدحاً … أيَّاكَ كنتُ كأني قطُّ لم أقُمِ
ولو تغنّيتُ بين العالمين بما … حبّرتُ فيك لماد الكونُ من نَغمَي
ولو وقفتُ بعلّيين أنْشدُه … لهام من في جنانِ الخُلدِ من نُسمِ(5)
ويبين الشاعر –كذلك- أن مدحه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - مدح مقتصد، لا يرفعه عن مرتبة العبودية لله، ولن يقع فيما وقع فيه النصارى حينما غالوا في مديح نبيهم عيسى عليه السلام، مع أنه لو أوتي من الفصاحة ما أوتي فلن يبلغ معشار حقه - صلى الله عليه وسلم - حين يقول:
فأين مَدْحيَ من عَلْياكَ مبلغُه … وأينَ من قدرِ طهَ مبلغُ العظَمِ
(1) المصدر نفسه، 19
(2) الخليلي عبد الله بن علي، وحي العبقرية، 61-62
(3) انظر المصدر نفسه،81
(4) المصدر نفسه، 81
(5) الخليلي: عبد الله بن علي، وحي العبقرية، 80