أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ١٩

ثم يعاتبه على قبوله التحكيم مع أنه أعلم الناس بالدماء وأحكام البغاة، ويتساءل عن فائدة مقاتلة معاوية بعد ذلك، إذ يرى الشاعر أنه بعد الرضى بالتحكيم لم يصبح هنالك معنى للقتال لكل من رضي به أو عارضه، لماذا؟ لأن أبا مسلم الرواحي، كغيره من الإباضية المصوبين للمحكمة، يرى أن التحكيم قد أفقد الإمام حقه في الإمامة، حيث يقول:

فيم الحكومةُ أخزى الله ناصبَها … لم يترك اللّهُ هذا الحكمَ للبشرِ

ولستَ في ريبةِ مما عنيت به … ولا القضاءُ قياسيٌ على صورِ

فما قتالك يعد الحكم راضيه … وما قتاُلك من لم يرض بالنّهرِ

وما قتالُ ابْن صخر بعدما انسكبتْ … خلافة الله في بلعومه البخرِ

حكّمته في حدودِ الله ينسفُها … نسف الزّعازعِ مندوفاً من الوبرِ(1)

وعاتب الإمام على طاعته لأمر الأشعث بن قيس الكندي ومشورته، متحدثا عن سوابقه التاريخية(2) كما يعاتب الإمام على قتله المحكمة موضحا أن الأسباب التي تذرّع بها القوم لقتلهم أسباب واهية لا تقوم دليلاً ولا تصحّ عذرا، يقول:

هانتْ عليكَ جباهٌ ظلت ترضخُها … لطالما رضختها سجدُة السَّحرِ

لم تقتل القومَ عن سوءٍ بدينهمُ … وإنما الأمر مبنيٌّ على القدرِ

قتلتهم برواياتٍ تقيمُ بها … عُذْر القتال وليست عُذْر معتذرِ

ما ذو الثديّة إلا خدعةٌ نُصبتْ … للحربِ توهم فيها صحةُ الخبرِ

وما حديثُ مروق القوم معتبرُ … فيهم لمن سلك الإنصافَ في السيرِ

خلعت نفسك بالتحكيم منخدعاً … وأنت أولى بها من سائر الفطرِ

فحكموا الله واختاروك أنت لها … فكان قولهم نوعاً من الهذرِ(3)

-2-

نشأة الإباضية وتطورها :

(1) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخطوط، 216.

(2) ينظر: المصدر السابق، ص 216، 217.

(3) المصدر السابق، ص 217.

١٩ / ٢٥٦