أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ١٩٤وعليه فإن الشاعر لا يلجأ إلى الهروب من الدهر، بعد أن كشّر عن نابه، بل يتحدّاه طالبا منه أن يرسل كل جنوده، ويملأ كاساته، بما شاء، فقد تعود على ذلك، لتتساوى الحالتان لديه، الصاب والعسل، فهو يقول:
أقولُ للدّهر أرْسِلها العراكَ فإنْ … أجْزعْ لخطّتها فالويلُ والهَبَلُ
وهاتِ كاسَك إنْ صاباً وإنْ عَسَلاً … فقد تساوى لدَيّ الصابُ والعسَلُ(1)
ومع أن الشاعر لا يحفل بمعاداة الدهر له، إلا أنه حاول أن يتصالح معه، ولكنه لم يفلح في مساعيه، مشبها إياه بمن أصيب بمرض الجرب الذي لا ينفع معه دواء، في صورة تعبر عن عمق العداء له، قائلاً:
أصْبَحْتُ والدّهرُ من بُغْضٍ به جَربٌ … آسيه نُبلاً وما ينفكُّ يأتكلُ
إذا تطارحتُ أغْرَى بي سَماسِمَهُ … وإن تنّمرت خاصْت عنّي الحيَلُ
وإن بسطتُ نوالي سامني سَفهَاً … أعن سفاهةِ رأي يَفْضلُ النّبلُ(2)
… وقد يبدو من المستغرب أن يعمد شاعر مثل أبي مسلم إلى الشكوى من الدهر، وهو المعروف بإيمانه الراسخ بالقضاء والقدر، وقناعته اليقينية بأن كل ما أصابه من الله، ولكن إذا عرفنا أن أبا مسلم قد تعرّض في حياته لمضايقات سياسية واقتصادية، وظلم وحيف من أبناء زمانه، نتيجة لمواقفه السياسية، وجرأته الصريحة، نستطيع تلمّس العذر له، حين غدا الدهر رمزا نسب إليه كل المكائد، وعلق عليه كل معاناة، فهو كثيرا ما يشكو دهره إلى مولاه.
… والشاعر وإن ذم الدهر نتيجة مواقفه وتأثيراته، إلا أنه راض بقضاء الله، فهو يفصح عن ذلك، في إحدى مناجاته، مبينا أن شكواه لم تكن اعتراضا على قدر الله وقضائه، ولا غضبا مما حل به، حين يقول:
دهتني الرزايا سيّدي وألمَّ بي … بلاءٌ عفى رَسْمى وآدَ احْتماليا
وما أنا في شكوايَ مالا أطيقهٌ … غَضُوبٌ على الأقدار أو لستُ راضيا
رضيتُ بما تقضي وآمنتُ أنّه … قضاؤك عدلٌ أيّ ما كنتَ قاضيا