أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ٢٠٩

… إن ما يضئ جوانب هذه التجربة، ويمنحها الألق، هو صدق الإحساس، وعمق التجربة، ومعايشة الحدث ومعاناة الواقع يقول في إحدى قصائده:

لهفي على الوطن العزيز أضيعا … وشريفِ قوم صارَ فيه وضيعا

لهفي عليه لو يفيدُ تلهُّفي … أجريتُ من بعدِ الدّموع نجيعا

لهفي على الأيام كيف تبدلتْ … هلاّ يَعُدْن كما مضين رُجوعا(1)

ويتخذ من قاعدة الفكر السياسي الإباضي، مرتكزا في الحديث عن نظام "الإمامة" في إطار من التصوير الرمزي لها ناعيا على من كان السبب في هجرانها، ويبعها بيعة خاسر، مجسداً نظام الإمامة حين يخاطبها بقوله:

بنتَ العُلى ما باُلهم هجروكِ … قطعوا حبالَكِ بعد ما وَصَلوكِ

تركوكِ في وَسْطِ الطريق مضاعةً … أفّ لهم من معشرٍ تركوكِ

باعوكِ بالأسواق بيعةَ خاسر … لو أنصفوا والله ما باعوكِ

بنتَ العُلى لا تجزعي وتصبّري … فلأنت أنت وإنْ هُمُ عقّوكِ(2)

… ويمكن أن يعد أبو مسلم الرواحي كيانا خاصا في هذا الباب، ذلك أن تجربته الشعرية تبدو نابضة بالحيوية، مصورة للمشاعر، منبئة عن قوة التفاعل، ولذلك يجدر أن يخص أبو مسلم بالحديث عن عمق تجربته، التي تكشف عن مدى الأصالة في شعره، فلابد أن يكون وراء ذلك، مجموعة من العوامل التي شكلت شاعريته، وكونت شخصيته الثقافية، فطبعته بطابع أدبي خاص.

…

لقد تربى هذا الشاعر في بيت علم، في ظل والده الشيخ القاضي سالم بن عديم الرواحي، وعاش طفولته في قرية محرم من قرى وادي سمائل، الذي كان يغص بكبار الشعراء والعلماء، وحينما رحل أبوه الشيخ سالم بن عديم إلى زنجبار، كان عمر شاعرنا وقتها سبعة عشر عاما(3) وكانت زنجبار وقتها حاضرة الشرق الافريقي، يقطنها

(1) المصدر نفسه، 17

(2) الكندي: أبو سلام، ديوان نشر الخزام، مخ، 37

(3) الخليلي: أحمد بن حمد، العمانيون وأثرهم في الجوانب العلمية والمعرفية بشرق افريقيا، حصاد المنتدى الأدبي، ديسمبر 1992م، 85.

٢٠٩ / ٢٥٦