أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ٢٢٣

… ومما يلحظ في بناء القصائد عند الشعراء الإباضيين أن كثيرا من قصائدهم تميزت بطول نفس دل على مقدرة لغوية، وتجربة شعورية متصلة، إذ ارتبطت هذه القصائد الطوال بوحدة الشعور ووحدة المغزى، وقد بدت هذه الخاصية جلية في القصائد المتأثرة بالبعد التاريخي لمعركة صفين وحادثة النهروان، وقصائد الاستنهاض والرثاء، والقصائد الدينية السلوكية.

… ولو نظرنا في قصيدة أبي مسلم الموسومة "الفتح والرضوان في السيف والإيمان"، التي بلغت ثلاثمائة وثلاثة وثمانين بيتا، لوجدنا أن هذه القصيدة على الرغم مما اكتنفها من طول إلا أنها "اشتملت على تجارب مكتملة، عمل فيها الفكر والشعور عملهما حتى جاءت بناء متسقاً متكاملاً".(1)

… وعبر قراءة فاحصة لبنية القصيدة ونسيجها، من خلال معرفة القضية المركزية التي كانت منطلق الإبداع فيها، وما يمكن أن تتشكل منه أجزاؤها، لتنتظم في وحدة موضوعية تشد كيانها، نلاحظ أن الشاعر قد بدأ قصيدته هذه بقوله:

تلك البوارقُ حاديهنَّ مْرنانُ … فما لطرفكَ يا ذا الشّجو وَسْنَانُ

شَقَّتْ صوارُمها الأرجاءَ واهتَزعتْ … تُزجِي خميساً له في الجوِّ ميدانُ(2)

… لقد أنشأ الشاعر نصه منذ بدايته، وهو يتوثب لرسم لوحة حربية حركية، لمعان البوارق، والصوارم، وهي تشق أرجاء الكون، فضلاً عن ضجيج الجيش، لكن الشاعر سرعان ما يوقف حركته المتوثبة، ليعود إلى التأمل في ذاته، التي أثقلتها الهموم، وأبعدتها المقادير عن مركز الحدث الذي يستثيره، فيصوغها كلمات نابعة من الوجدان، معبرة عن الحسرة، كاشفة عن أثر الاغتراب الذي أجج ضرامه ذلك الحدث، ليعود

(1) علي عبد الخالق، الشعر العماني مقوماته واتجاهاته وخصائصه الفنية، دار المعارف، مصر، د.ت، د.ط، ص163.

(2) الرواحي، أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 229.

٢٢٣ / ٢٥٦