أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ٢٢٤إلى التأمل الفكري العميق، فيصوغ الشاعر أبياتاً عدة في قالب حكمي، تشده إلى موضوع النص آصرة قوية، مرتبطة بباقي أجزائها، متخذا من الصور الشعرية وسيلة للتعبير عنها.
… إن من يقرأ القصيدة على طولها لا يغيب عن باله أن المنطلق الفكري هو القضية المركزية فيها، لكنه منطلق متماه مع نسيجها وبناء عالمها، نابع من نظرة الشاعر إلى مجريات الأحداث من جهة، ورؤيته العقائدية والسياسية من جهة أخرى.
… وكذلك سار في قصائده الثلاث الأخرى الميمية والعينية والمقصورة، وهي في عمومها تنطلق من وحدة المغزى وينتظمها خيط نفسي مترابط الأوصال، يشدها إلى مركزها. ومن القصائد التي اتسمت بالطول، واستقصاء الحدث وتتبع دقائقه قصيدة أبي مسلم "رائية المحكمة"؛ التي بلغت مائتين وثمانية وعشرين بيتا.
… وهي قصيدة تندرج في ثلاثة محاور:
المحور الأول: محور وعظي، يتحدث فيه الشاعر عن الموت والحياة، والبقاء والفناء، وحتمية الانتهاء، ووجوب الاستعداد لهذا اليوم، بأخذ العبرة من الغير، والاتعاظ بالمشاهد:
أتمرحُ إنْ شاهدت نعشاً لهالك … إليكَ أكُفَّ الحاملين تشيرُ(1)
وهو في هذا الوعظ يتحدث عن نفسه، ويوجه إليها اللوم، تأنيبا وتقريعا، وتذكيرا ووعظا.
المحور الثاني: ويبدأ اعتبارا من قوله:
تحزّبَتِ الأحزابُ بعدَ مُحَمَّدٍ … فكلٌّ إلى نهجٍ رآهُ يصيرُ(2)
وفيه يتحدث عن افتراق الأمة إلى أحزاب ومذاهب بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، على حين بقيت عصابة مؤمنة ثبتت على الحق، كما يرى الشاعر، وهو محور يوجهه تمهيدا للحديث عن موضوعه الرئيسي، متحدثا عن أهل الاستقامة، وهم الإباضية الذين ثبتوا على الحق، قائلاً:
على هضبات الاستقامة خيّموا … إذا اعَوجَّ أقوام وظلَّ نفيرُ(3)
بينما يبدأ المحور الثالث اعتبارا من قوله:
(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 206
(2) المصدر نفسه، 208
(3) المصدر نفسه، 208