أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ٢٥١

تفاوت في الإشارة اليها، بين إنشاء قصائد بعينها، اتخذت منها محورا خاصا متكاملاً، كقصيدتي "رائية المحكمة" وأشعة الحق. لأبي مسلم، اللتين تتمحوران حول الأحداث التاريخية المرتبطة بها، وبين إشارة إليها حين غدت رمزا حركيا دينيا يستمد منه الشعراء رموزهم وإشاراتهم.

… والدارس لنص أبي مسلم في "النهروانيات" يجد أنه جعل من هذه الحادثة محوراً أساسيا عالجها من خلال بعده الفكري والثقافي، وهو لم يكن يسرد الأحداث التاريخية سرداً جافاً لكنه استطاع أن يتخذ من الشعر متكأ للتعبير عن فكره ورؤاه، فانعكست فيه ثقافته وعقيدته، واستطاع أن يجعل من الشعر وعاء للفكر، والقارئ لهاتين القصيدتين يلحظ انعكاس رؤية الشاعر لأحداث منتقاة من خضم التاريخ، فقد تحدث فيهما عن الجمل والدار وصفين ورفع المصاحف، والتحكيم والنهروان، معرجا لبعض الشخصيات التاريخية، بما كان لها من دور فاعل، وتأثير واضح في مجريات الأحداث، من أمثال الأشعث بن قيس، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وقبل ذلك كله عن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وكان تناول الشاعر لذلك كله انعكاساً للتاريخ من منظور إباضي. وبدا من أهم سمات هذا التناول الوضوح في الأسلوب والموقف، وهو ترجمة لإشراق الفكرة ووضوحها في ذهن المنشئ.

… وقد اتسم أسلوب أبي مسلم في سرد هذه الوقائع بصدق الشعور، وقوة العقيدة وسلامة الطبع، وتمكن الشاعر من أدواته الفنية وقدرته على تطويع هذه الأدوات في أن تعبر عن آرائه، وتفصح عن مشاعره بتلك الصورة، فجاءت بنية القصيدة عاكسة لرؤاه المذهبية معبرة عن شخصيته، ممتزجة بعاطفته(1) يقول أبو مسلم:

عجّت بتحكيم عمرو بعدما حَكمَتْ … همدانُ فيها بحكم البيض والسّمُر

تبّاً لها رفعت كيداً مصاحِفَها … ومقتضاهُنَّ منبوذٌ على العُفر

(1) انظر: الرواحي، أبو مسلم، ناصر من سالم بن عديم، الديوان، مخطوط، 204-218.

٢٥١ / ٢٥٦