أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ٥٦… فهو يمدح الذات الإلهية بضعف المخلوق عن بلوغ كنه وصفه، وعجزه عن إدراك حقيقة ذاته، فلا يجوز عليه التحديد والتبعيض، لأن ذلك من صفات النقص، وهو سبحانه متصف بالكبرياء، لا ند له ولا شريك ولا شبيه، وهي أمور تعكس رؤية المذهب إلى هذه القضايا العقائدية التي يعتمدها الإباضية أساساً لمعتقدهم.
… ويقول في مقام التعلق باسمه "الظاهر" مشيرا إلى أن ظهوره للكون من غير رؤية، وإنما هو ظهور إحسان ولطف وعناية، من خلال آياته، وبديع صنعه، ليبقى نفي الإدراك ملازما لأبي مسلم في خطابه فيقول:
ظهرتَ لعينِ الكونِ منْ غَيْر رُؤْيةٍ … وغيرِ ابتداءٍ ظاهرِ الأحديّةِ
ظهورُك بالإحسان يا ظاهر انجلى … على وَجْهِ ذرّاتِ الوجودِ البديَعةِ
ظهرتَ عياناَ لا لإدراكِ باصرٍ … ولكن بتفريج الكروبِ العظيمةِ(1)
… وفي توسله باسمه "الباطن" يستثمر الشاعر ما يحمله هذا الاسم من دلالات لغوية، ومعانٍ عقائدية، فالباطن لا يدرك بالحس إدراكاً حقيقياً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وفي ذلك أيضا تأثر جاء ممتزجاً بالخلفية الثقافية والفكرية لدى الإباضية، كما يبدو في قول الشاعر:
ويا باطنَ الذاتِ اختفيتَ بلا اختفا … بطوناً عن الأفكارِ والنَّظريَّةِ
بَطُنْتَ فلا إدراك للحّسِ والنُّهى … بدُنيا ولا أُخرى لعينِ الحقيقةِ(2)
… وفي مجال مخاطبة النفس وتبكيتها، وتنبيهها من محاولة هتك حجب الجلال الإلهي، يدعو أبو مسلم الإنسان إلى إلجام هذه النفس، لتعرف قدرها، فلا تحاول طلب رؤية الباري، عز وجل، فذلك أمر بعيد المنال، كما هو في مستقر عقيدة الشاعر وقناعته الفكرية، وهو بذلك يرد هذه النفس الى أصولها البشرية القاصرة، ويركز خطابه على العاطفة والعقل معا فيقول:
هنَةُ النًّفْسِ وافتقارُ الطبيّعي … وقَيْدُ التَّعْبيدِ والاعْتلالُ
حاولت هتكّها الجلال الالهـ … ـي وقالت دَرْكٌ وكَشْفٌ وحالُ