أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين محمود بن مبارك بن حبيب السليمي

أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي

الجزء ١ · صفحة ٥٧

كلُّ درك وَكلُّ كشف وحالٌ … حدُّهُ الحدُّه والفنا والمثالُ

ما رأت في التحقيق إلاّ حدوداً … ورسوماً وما ادَّعتْه ضلالُ

أيُّها العجزُ لا تطُلْ قيد شبر … دونَ ما رُمْتَ عزَّةٌ وجلالُ

دون ما رمتَ لنْ ولا وأنا … الله … وأنت المخلوقُ والأحوالُ

أنت في ركن افتقارك ثاوٍ … فإلى أينَ الشدُّ والتّرْحَالُ(1)

… وينطلق الشاعر السلوكي سعيد بن خلفان الخليلي، من ثنايا هذا الفكر، وهو في غمرة مناجاته حين كان يمزجها بالنصائح السلوكية، التي يتوصل بها السالكون إلى الحضرة الالهية، داعيا إلى معرفة الله سبحانه معرفة من غير رؤية، ففي عدم الإدراك إدراك، فيقول:

فمهما يوجِّهْها إلى وجهِ ربِّها … تَعُدْ بشعاع يَبْهرُ العقلَ فتّانِ

يريك بها وجه الحبيب جمالُها … به شرفاً يسمو بأشرفِ سكّان

إذا عرجوا فيها لعرش صفاتها … لمعنى وراءَ الوصف باء برُفعانِ

يُريك عباراتِ الصفاتِ إشارةً … لها كَلَّ عن تعبيرِها كلُّ سبْحانِ

غَدتْ حيرةَ الألبابِ لكن ذهولُها … بها للهدُى يَهدي بها كَلَّ حيرانِ

ففي عدم الإدراكِ إدراكُ عارفٍ … طوى نشرَهُ أعلامُ فقدٍ ووجدانِ

فعرّج بتجريدٍ لتفريدِ واحدٍ … وخَلِّ السِّوى يخلو فما ثمَّتَ اثنانِ(2)

… ويخاطب الشاعر عبد الله الخليلي في قصيدة سلوكية له، وهو في مقام الأذكار، عاطفة الانسان مستغلاً ضعف هذا الكائن البشري الذي قد تطاول على مولاه، فطلب محالاً، وركب صعبا، فالله سبحانه ليس كمثله شيء، وكفى بذلك دليلاً على عجز العبد عن بلوغ كنهه، وهو مجرد ماء وطين، والله سبحانه أجل من أن تراه العيون، أو تدركه الأوهام، أو تتخيّله العقول، كما يبدو في قول الشاعر الخليلي:

وامتزجْ من عوالم الذكر بالذّا … ت وغِبْ فيه عنكَ حتّى تراهُ

فوَحقِّ الجلالِ من مُجتْلَى الأنـ … ـوار حيث الكمالُ في مستواهُ

(1) الرواحي: أبو مسلم، ناصر بن سالم بن عديم، الديوان، مخ، 174.

(2) الخليلي: سعيد بن خلفان، ديوانه، مخطوط، 36.

٥٧ / ٢٥٦