أثر الفكر الإباضي في الشعر العماني في القرنين 13-14 لمحمود السليمي
الجزء ١ · صفحة ٧٨… ويقصد الإباضية من وراء ذلك إلى سدّ الذرائع على من يجترئون على محارم الله فيرتكبون معاصيه، ولذلك يقول أحدهم "الحكمة من خلود أهل النار، أن العاصي إذا عصى الله فقد عصى ربا عظيما لا نهاية لعظمته، فكذلك عذابه خلود لا نهاية له، ولأن ثواب الله لا يشبهه ثواب، ولا ينقطع ولا يزول، وعقاب الله لا يشبهه عقاب ولا ينقطع ولا يزول فلو كان لثوابه وعقابه نهاية لأشبه ثواب المخلوقين وعقابهم"(1)
… ولا يخفي أن من يرى خلف الوعيد وإمكانية الخلاص، تهون عنده ارتكاب المعاصي، وإتيان المنهيات، اعتمادا على ما وعد به من الخلاص، فاعتقاد عدم الخلود يحمل الإنسان على الجرأة بارتكاب المعصية وهو غرور عظيم، كما رأى ذلك الطاهر بن عاشور.(2)
… ومما ينبغي الإشارة إليه أن الإباضية برؤيتهم تلك يوجدون ترابطاً وثيقاً، وتماسكا قويا بين مكونات فروع التوحيد، فالإيمان قول وعمل، مرتبط ارتباطا جوهريا بمبدأ الوعد والوعيد، وعليه فلا بد من احترام من يلتزم بمقتضيات إيمانه فيتولى، ومن يخل بشيء منه، فُيتبرأ منه، ضمن سلسلة متصلة الحلقات مرتبطة بوشائج العقيدة، التي ينبغي أن تتحول الى واقع معيش، وتطبيق عملي لمقتضيات العقيدة، فالإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.
… ويتجلى أثر هذا المعتقد في ثنايا قصائد الشعراء، فهذا أبو مسلم يقول وهو يناجي ربه سائلاً إياه بأن يتداركه برحمته، مستعيذاً به من خلود الفجار في دار عدله، فيقول:
ويا مُحييَ الأجسادِ بعدَ انحلالِها … وإفنائِها من عالمَ البرزخيَّةِ
ويا مُحييَ الأبرارِ في دارِ قُدسْهِ … حياةَ خلودٍ لا تَحدُّ بمدّةِ
ويا مُحييَ الفجّارِ في دارِ عَدْلِهِ … معاذكَ من تلكَ الحياةِ المُقيمةِ(3)
(1) الشقصي: خميس بن سعيد ، منهج الطالبين، 1/ 523.
(2) ابن عاشور، التحرير والتنوير 1/579 وانظر المنار، محمد رشيد ص 1/363.
(3) الرواحي: أبو مسلم، الديوان، مخ، 40