كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ١٤٣يضمن له الاستمرارية والبقاء. في هذا المعنى يقول «بسكال»: «كلّ نسل لابدّ أن يستفيد أوّلا من الفكر الذي تركه من سبقوه، ثمّ يزيده، إن كان له استعداد لذلك، ولا تستطيع أمّة ما أن تحيد عن هذا القانون». ويقول «جاك بيرك»: «إنّ مستقبل العرب يتمثّل في إحياء الماضي، لأنّ المستقبل في كثير من الحالات هو الماضي أو الحاضر، الذي وقع إحياؤه وعيشه من جديد». ويقول جبرا إبراهيم جبرا: «الماضي لدى المجدّدين جذر ومنبت وجذع، تستمدّ منها اللّغة طاقتها، وتستمدّ منها الإبداعَ عُصارة الدّيمومة، فيصبح كلّ جديد فرعًا آخر في دوحة عظيمة، دون أن يعيد الفرع شكل الفرع الآخر. وهنا سرّ حيوية هذا الجديد».(1)
إنّ هذه النّظرة صحيحة، بخاصّة حين نعلم أنّ تراثنا يتفرّد بمميّزات خاصّة، تحمل عناصر القوّة والغناء والثّراء، وهو ما جعله يصمد في وجه كثير من الهجمات عليه ومحاولات تشويهه، كما أنّه يتميّز بالتّنوّع والشّمولية لمختلف المعارف الإنسانية، وتعدّد مظاهر بروزه، وأنّه مصدر إلهام واستفادة كثير من المفكّرين غير العرب والمسلمين، إنّه سبب ازدهار كثير من الثّقافات، وتطوّر كثير من الحضارات الإنسانية.
لهذه الخصوصيّة ولأهميّة التّراث في بناء صرح الأمّة، والمحافظة على كيانها وشخصيتها، عمد الاستعمار والعدوّ في البلدان التي وجد فيها أو احتلّها، عمد إلى هدم هذه القاعدة الصّلبة (التّراث) أو النّيل منها على الأقلّ؛ ليؤسّس هو قواعده، ويفرض وجوده، ويحوّل وجهة أبناء هذا البلد أو ذاك إلى وجهته هو، بعد أن يقطع صلة الأجيال المتعاقبة بماضيهم، وينبشهم من تراثهم، وينشئهم ويصنعهم على عينه.
غير أنّه لم يفلح في هذا المسعى، ولم ينجح النّجاح الذي كان يرجوه، إذ إنّ تميّز تراثنا بالقوّة والأصالة حال دون وصول الاستعمار إلى غاياته، كما كان يخطّط ويرسم، يقول الأستاذ «أنور الجندي»: «إنّ أبرز مقوّمات التّراث أنّه حيّ متّصل
(1) عثمان حشلاف، التّراث والتّجديد في شعر السيَّاب، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986م، ص: 12.