كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ١٤٤بالتّاريخ المطّرد، إنّ جذوره ما تزال عميقة الجذور في التّربة، تنبض بالقوّة في مختلف مجالات اللّغة والتّاريخ والثّقافة والتّشريع والأدب والعقائد والأخلاق … وما تزال هذه الجذور قائمة كالدّعائم والأعمدة الضّخمة، تحمل البناء، وتمتصّ من الثّقافات دون أن تفقد ذاتيتها، وهي تأخذ من الثّقافات وتترك، وتحوّل ما تأخذ إلى كيانها بالهضم والتّمثّل، دون أن تقع في الازدواجية».
نتساءل بعد تقرير هذه الحقيقة عن دور التّراث وعن أهميّته؟
إنّ دور التّراث في المجتمع هو دور المحافظ على الكيان، وتثبيت الهوية، والحامي من التّلاشي والذّوبان، والمحصّن من فقد الجذور وخسارة الأصول، والمتكفّل بحفظ التّوازن النّفسي والاجتماعي، وضمان فرض الوجود؛ لأنّه يساعد على إبعاد الاضطراب النّفسي والتّذبذب والحيرة والقلق من طريق أبناء ذلك الإرث.
كما أنّ للتّراث دورَ فرزِ الأصيل من الدّخيل، والوقوف بثبات على أرض صلبة لاستشفاف المستقبل، والوثوب إليه بكلّ اعتدادٍ وعزّة وكرامة، من دون عقدة الرّضوخ أو الوقوع أسير فكرة تفوّق غيرنا علينا، وكوننا عالة عليه. وهو ما يجنّبنا بنيّات الطّريق، التي تسلم إليها التّبعية والتّقليد والمحاكاة غير الواعية. والتي تحصل في غياب الصّلة والتّواصل مع التّراث أو تغييبه، وتكون في حال التّنكّر له وعدم الاعتراف به وبدوره وأهميّته ومكانته.
التّراث الإسلامي بخاصّة يزرع خلق الوقوف بثبات وتحدٍّ أمام كلّ صور التطّويع والتّليين والتّحييد والتّذليل … لأنّه ببساطة يمثّل مواقف الصّمود والصّلابة، ويعطي دروسًا في طريقة قهر المعتدي، وإفشال كلّ مؤامراته ومناوراته ومناوءَاته، ويقدّم الدّليل على النّجاح في الانقلاب على الظّلم والعدوان، وقلب موازين النّصر المدّعَى والمتبجّحَ به …
بمعنى أوضح: إنّ للتّراث ــــ حين يستلهم ويتعلّق به، ويرتبط به ــــ دورًا كبيرًا وفاعلاً في بلورة الكفاح الإسلامي القويّ لمنع العدوّ من التّآمر على الهويّة الإسلامية وعلى الثّقافة الإسلامية وعلى الأمّة