مجلة الحياة، العدد 11 مجلة الحياة

كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية

الجزء ١ · صفحة ١٤٥

الإسلامية. لقد تعاقبت على هذه الأمّة ــــ وما تزال ــــ غزوات بالسّلاح والفكر، فلن يكون المخرج منها والمنقذ سوى هضم فكرها الحقيقي، المتمثّل في تراثها الأصيل.

دور التّراث يكمن ــــ أيضًا ــــ في الحقيقة التي أكّدها الواقع، وهي: إنّه لم تقم نهضة جادّة في أمّة من الأمم إلاّ سبقتها دعوة ملحّة إلى إحياء الماضي، وبعث التّراث بعثًا صحيحًا، والبناء عليه والإضافة إليه». … والمستقبل ما هو إلاّ الماضي، مرورًا بالحاضر، والوجودُ الشّخصي هو ثمرة لخبرات الماضي وتجاربه وأحداثه»(1).

من أدواره المهمَّة في المجتمع أنّه الملاذ والمنقذ من الحيرة والتّردّد، والمغيث في وقت الهزائم والنّكبات والضعف؛ لأنّ ما ينطوي عليه التّراث من ثراء وغنى وتنوّع، وما يتضمّنه من قوّة وصلابة وتماسك … هو الكفيل بأن يرجع الثّقة في النّفوس الخائرة، ويبعث الأمل في القلوب المنقبضة، ويعين على حسن التّصرّف في المواقف الحرجة؛ وذلك بمراجعة التّاريخ واستنطاقه واستلهامه في مواقفه وبطولاته، وقراءة سير العظماء والزّعماء.

ما أحوجنا في هذا الزّمن المغبرّ المتغيّر المتردّي، وفي هذا الوقت العصيب المتدنّي، الذي تباينت فيه المواقف، وتضاربت الرّؤى، وتتابعت الهزائم، والذي نعيش فيه أسوأ نتائج التّبعيّة الفكريّة، وأخطر تقليعات التّخلّي عن الأصول، والتّحلّي بأخلاق الغير، ونحيا فيه حياة التّشكيك في مقوّماتنا، والنّيل من هويّتنا … ما أحوجنا إلى الرّجوع إلى التّراث، وتمثّله وتوظيفه في حياتنا اليوميّة، واستلهامه في تصحيح مسارنا الذي يبدو عليه الانحراف عن الجادّة، واستثماره في دفع عجلة حركتنا نحو الإبداع والعمل الحادّ المثمر. لكن من دون الذّوبان فيه، إلى حدّ التّقديس والتّغاضي عمّا ينتقد فيه. فالإخلاص للتّراث يقتضي الوقوف على نتاج الماضين، والإحاطة به: فحصًا وتدقيقًا واستيعابًا ونقدًا … قصد استلهام الجوانب الفاعلة فيه.

(1) محمَّد ناصر بوحجام، ملاحظات حول تاريخنا القديم، ط2، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، 1998م، ص: 40.

١٢٦ / ٣٠٤