كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ١٧٠خصّيصا لذلك كما مرّ.
وقد تكون المدرسة متنقّلة، فيسافر العلماء بتلاميذهم بالقوافل التي تحمل المؤونة والحُصُر، وحينما يجدون المكان اللائق ينصبونها، وتتألّف المدرسة من أقسام: قسم للصلاة، قسم للشيخ، قسم للنساء، وبيوت للتلاميذ(1).
وهكذا يجد الشيخ عبد الرحمن بكلّي في مقدّمة كتاب الطبقات للدرجيني تعليلا رائعا لهذا التنقّل الدؤوب، وهو التعوّد على عقد رحلات للدعوة إلى الله وتفقّد أحوال المسلمين مع التدرّب على خشونة العيش وترك حظوظ النفس إرضاء لله.
وبالفعل فقد نتج عن ذلك تزاور في الله، فصار أهل المشرق يزور أهل المغرب، وأهل المغرب يزور أهل المشرق(2).
ومن أهداف هذه الرحلات تتبّع المشايخ حيث يقيمون ولو كانوا في أمور دنياهم.
فأبو عبد الله رحمه الله ينتقل بحلقته إبّان الشتاء إلى أبي سليمان فيقيمون حتّى يسمعوا صيَّ البعوض فينزل إلى ضيعته(3).
وكذا كان ينتقل إلى بادية بنى مصعب في الربيع حيث الهواء المنعش فرارا من تعكّر الجوّ.
وبهذا تتعدّد أسباب التنقّل بالطلبة ودائما في صالح الجوّ الدراسي من تعقّب المشايخ في مزارعهم وأماكن رعيهم لاستغلال علمهم حيث إنّ الحياة القاسية لم ترحمهم فيجلسوا كلّهم للتدريس.
ومن جهة أخرى فقد أرادت هذه الطريقة أن تبرهن أنّ الدراسة لا يجب أن ترتبط في ذهن الطالب بالجدران والمكان المعروف، بل حياته كلّها من الغيران المظلمة إلى الفضاء الفسيح كلّه مدرسة، ومن تقلّبه في فراشه إلى جلوسه أمام الشيخ كلّه، أوقات لا يجب أن يغفل
(1) بكلي عبد الرحمن، مقدمة طبقات الدرجيني، ج1، ص: د.
(2) مقرين بن محمد البغطوري، سير نفوسة، مخطوط، ص 6.
(3) أبو سليمان داود بن أبي يوسف (ت 462هـ)
وإن كان الشماخي يرى أنّ أبا محمد ماكسن هو الذي ينتقل بحلقته إلى أبي سليمان انظر الشماخي ــ سير، ص 418. الدرجيني، ج 2، ص 437.