مجلة الحياة، العدد 11 مجلة الحياة

كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية

الجزء ١ · صفحة ٢١٣

إذن فالحركة الإصلاحية في وادي ميزاب مدينة بقوة لجهود العلماء والعزابة السابقين الممهدين للإصلاح، ويكفيهم فخرا أن كل قادتها هم خريجو مدارس هؤلاء العلماء والمشايخ ومعاهدهم، وأنهم من صنع أيديهم وبنات أفكارهم. فهي بذلك ذات جذور أصيلة وعميقة تحمل ثلاثة أبعاد متكاملة ومتداخلة فهي إسلامية في دينها وعقيدتها، وإباضية في فقهها ومصادرها، وميزابية في أعرافها وعمرانها واقتصادها، كما امتزجت فيها المرجعية العلمية المتمثلة في جهود العلماء بالمرجعية الاجتماعية المتمثلة في جهود العزابة والأعيان؛ مكونة هذا المنتوج الجديد الذي عرف بالحركة الإصلاحية.

***

بعد هذا ينبغي الإشارة إلى أن هذه المرجعية القاعدية الصلبة يلاحظ عليها نوع من الانغلاق الداخلي ويسجل عليها نوع من التقوقع المحلي؛ فأضحت بذلك في حاجة أكيدة وماسة لتبحث لها عن مرجعيات جديدة تتولى تلقيحها وإنعاشها وتفعيل الحركة والتغيير فيها. فوجدت لها ذلك في الأوساط الإسلامية المجاورة المتمثلة في البيئة العلمية التونسية.

فكيف كان ذلك؟

إن المتتبع للحركة الإصلاحية في مرحلة نشأتها ثم في مراحل قوتها وتمكنها يلاحظ بوضوح ذلك الخط الموصول والحبل المتين الذي كان يربطها بالنهضة العلمية والحركة السياسية التي كانت تشهدها تونس خلال العقود الأولى من القرن العشرين. مما يقتضي التوقف مليا مع هذه العلاقة ومحاولة تأملها وتفكيك رموزها وفهم دوافعها واستخلاص أبعادها وتحديد معالمها.

إن أوضاع وادي ميزاب التعليمية جعلت الكثير من أبنائه لا يكتفون ولا يقتنعون بما يتزودون به من علوم، بل يتوقون إلى الاستزادة في التحصيل بالتفكير في السفر إلى البلدان المجاورة ذات الحظائر العلمية الزاهية لأجل الاستفادة من علومها، والاغتراف من معينها، والجلوس إلى حلق علمائها.

٢١٠ / ٣٠٤