كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٢١٤وتمثل ذلك خاصة في جامع الزيتونة بتونس والمدارسة المحيطة بها.
لقد كان تفكير شباب وادي ميزاب في ذلك بعد حصولهم على القسط الضروري الأول من قواعد العلوم ومفاتيحه على أيدي مشايخهم، وبعد تشربهم بخصائص الحياة الدينية والاجتماعية لوادي ميزاب وتشبعهم بالقيم الاجتماعية والعرفية له، مما يمكنهم من الحفاظ على شخصيتهم المسلمة الإباضية الميزابية، ومما يحميهم من الذوبان في المجتمعات الأخرى أو الانغماس في شوائبها.
في حقيقة الأمر إن الحظائر العلمية الزاخرة في البلاد العربية ــــ خاصة منها تونس ومصر ــــ قد ألقت بظلالها على الجزائر عامة وعلى شعبه وعلى طموحات الأجيال الناشئة فيه؛ نظرا للأوضاع الاجتماعية والتعليمية المتردية التي كانت عليها الجزائر خلال هذه الفترة، فأصبح حلم الشباب المنشود هو الانفلات من هذه الأوضاع والالتحاق بإحدى هذه الحظائر لمزاولة الدراسة بها أو إكمال المشوار العلمي الذي ابتدؤوه في أوطانهم. إذ كانت تصلهم تباعا أصداء نشاطها العلمي، وتمكُّن علمائها، وتطور مناهج التربية والتعليم فيها، عن طريق حركة التجارة ونقل البضائع بين الجزائر وتونس التي امتهنها عدد لا بأس به من الجزائريين، وعن طريق رحلات الحج والعمرة التي كانت تمر بالبلاد التونسية وتشهد كل ذلك الجو المفعم بالحركة العلمية والاقتصادية(1).
لذا فقد كانت الكثير من الأسر الجزائرية الميسورة الحال تبادر إلى إرسال أبنائها إلى هذه المدارس والمعاهد للتكوين فيها والنبوغ في علومها، والتخرج بشهاداتها وإجازاتها العلمية المعتبرة.
يقول الدكتور محمد صالح الجابري: «ولعل قرب مدينة تونس من الحواضر الجزائرية الشرقية … هو الذي اختصر كلفة الرحلة إليها،
(1) محمد صالح الجابري: النشاط العلمي والفكري للمهاجرين الجزائريين بتونس، الدار العربية للكتاب، 1983، ص17 – 56. محمد علي دبوز: أعلام الإصلاح، ج3، ص146 - 150.