كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣الثاني: أ- المدونات والمصنفات الفقهية التي صنفها فقهاء الإباضية في القرون الأولى لتكوين المذهب.
وإذا أجرينا مسحا عاما لهذه المصادر الإباضية وغيرها نجد أن الاهتمام بالجانب الاقتصادي والمالي اهتمام ضئيل جدا، وهي سمة تتقاسمه كل المصادر الإباضية وغيرها. فقد أولت الاهتمام الأكبر بالجانب السياسي وبحياة الأمراء والخلفاء على حساب الجوانب الأخرى من الحياة الحضارية، وإذا أضفنا ــــ بالنسبة للإباضية ــــ الظروف السياسية التي مروا بها في الشمال الإفريقي من ظلم واضطهاد، فضاع كثير من ثراتهم في خضم النزاعات والفتن، وما بقي منه ضنوا به، حفاظا عليه من الضياع والتلف.
ونفس الكلام يقال عن الجانب الفقهي، ونضيف ملاحظة أخرى هامة هي أن فقه المال العام ينمو ويترعرع في ظل دولة ذات سيادة، في حين نجد أن إياضية المغرب بعد زوال دولتهم الرستمية في القرن الثالث الهجري، لم يفكروا في إقامة «إمامة الظهور» بل انتقلوا إلى مرحلة جديدة هي الإمامة الصغرى المنضوية تحت نظام العزابة. فقد تحول اهتمامهم من فقه المال العام إلى فقه المال الخاص، ونجد هذا الطابع بارزًا في مصنفاتهم الفقهية العامة والمخصصة، أهمها ما صنفه الإمام أبو العباس أحمد بن محمد الفرسطائي في كتابه الهام «القسمة وأصول الأرضين» وهذه الميزة تختص بإباضية المغرب. أما في المشرق فقد استمرت الإمامة تقوى وتضعف حسب الظروف، إلى العهود الأخيرة. فقد صاحبها اهتمام الفقهاء بالمال العام، وخصصوا له حيزا من مدوناتهم الفقهية المطولة والموسوعات التي يتميزون بها.
تكوين بيت المال الأول في البصرة:
إذا كان التاريخ يحفظ لنا أن أول دولة إباضية مستقلة عن مركز الخلافة، كانت في سنة 132 هـ بعُمان. ثم تلتها دولة أبي الخطاب عبد الأعلى بطرابلس الغرب، ثم دولة الرستميين في المغرب الأوسط، إلا أنه تم الإعداد لإنشائها قبل ذلك بمدة غير يسيرة من الناحية الفكرية، ومن الناحية المادية بإعداد الرجال وتوفير الأموال اللازمة لإمدادها بالحياة والاستمرارية، ومن