مجلة الحياة، العدد 11 مجلة الحياة

كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية

الجزء ١ · صفحة ٢٢٦

وكانت البداية تنمية زراعية، بغرس البساتين وإجراء الأنهر، وانتهت بتنمية صناعية باتخاذ ورشات لتحويل المحاصيل الزراعية وإقامة المستغلات، التي هي عبارة عن مستثمرات لطحن وتصبير وعصر وتحويل المحاصيل الزراعية.

ويتابع ابن الصغير تطور الحالة المالية والاقتصادية وارتفاع مستوى المعيشة، وسد كل احتياجات المواطنين إلى درجة أنها استغنت عن المساعدات الخارجية التي كان يجود بها أهل المشرق أبان عهودها الأولى، حيث أصبحت بيوت الأموال ممتلئة، فالسعاة وعمال الصدقات يقومون بجباية الزكاة وسائر الواجبات المالية الأخرى من جزية وخراج الأرضين، وتوزع توزيعا عادلا دوريا في مطلع هلال كل شهر، بعد حصرها وإحصائها وتحويل ما كان منه عينا إلى نقود. وما كان طعاما يجمع في الأهراء، ويوزع على الفقراء والمحتاجين، وإن فَضلَ عَفْوٌ صُرِفَ في مصالح المسلمين. مما يدل على أن الرخاء والكفاية سادا في تلك الربوع.

ويصور ابن الصغير موقف الإمام من المدد الثاني من مساعدات أهل المشرق، ورأيه الحازم في التعفف والاستغناء عند الكفاية، فقد استشار مجلسه الشوري، فرد الأمر إليه فقال: «فأرى أن ترد هذه الأموال إلى أهلها، فيدفعونها لمن يستحقونها من فقراءهم وضعفائهم، فإذا كنا قبلنا منهم في أول بدء أَمْرِنَا للحاجة التي كانت بنا إليه والفاقة التي لزمت عوام إخواننا، فالآن إننا مستغنون عن أموال غيرنا»(1). بهذه القيم العالية والمثل السامية، وأخلاق الإيثار والتسامي عن أعراض الدنيا ومتاعها الزائل أقيمت أسس هذه الدولة، فهفت إليها الأفئدة، وتسارع إليها المستضعفون للتفيؤ تحت ظلال تسامحها وتراحمها، فارتفع قدر قائدها في نفوس رعيته.

بين الخليفة عمر بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن رستم:

تناقل المؤرخون وأجمع القصاص على أخبار عدالة وسماحة الخليفة الأموي الزاهد عمر بن عبد العزيز، حتى عده البعض خامس الخلفاء الراشدين، فقد أحيَى السنن وأمات البدع، وأعاد النظر في مسؤولية ولي

(1) المرجع نفسه ص: 34.

٢٢٥ / ٣٠٤