كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٧الأمر، بورعه وتورعه في المال العام، وسرعان ما ظهر أثر ذلك في أحوال رعيته، فعمَّ الأمن والرخاء كافة الأقاليم الإسلامية، وامتلأت بيوت المال وفاضت بخيرها، فكفيت الحاجات وسُدّت الخلات، ولم يجد الولاة من يقبض الزكاة استغناءً وتعففًا.
هذه الصورة الناصعة للنظام الإسلامي عندما يطبق بحق وعدل، تجد مثيلتها في عصر الإمام عبد الرحمن بن رستم التي لا تقل إشراقا وصفاءً، ومما ساقه المؤرخون وأجمع عليه أهل السير والتراجم، ما وصل إليه الأمر من عدل وحكم بالقسط وزهد في الدنيا، فقد رد ــــ كما أشرنا ــــ إعانات وردت إليه من إخوانه المشارقة، فقبل المدد الأول لتوطيد أركان سلطته، وتحصين ثغور دولته. غير أنه امتنع عن قبول المدد الثاني لما اشتد ساعد دولته فلم تغره تلك الأحمال من الأموال المكدسة. فرأى أن هناك من هو أولى منه إليها، فقد لمسنا أثر هذا العدل والتسامي في أحوال رعيته بانتشار الرخاء وكفاية أهل الفاقة والحاجة، وامتلاء الخزائن والأهراء.
أسباب رخاء الدولة:
إن هذا الرخاء والاستقرار الذي عم أرجاء البلاد هو نتيجة العدل والقسط والخطة المالية التي اعتمدها الإمام، فيقول ابن الصغير: «ثم لم تزل الرسل تختلف وتطلع الأخبار عن الأحوال والبلد زائدة عمارتها في ذلك كله، والسيرة واحدة، وقضاته مختارة، وبيوت أمواله ممتلئة ( … ) وأهل الصدقة على صدقاتهم يخرجون في أوان الطعام فيقبضون أعشارهم ( … ) من أهل الشاة والبعير، فإذا حضر جميع ذلك صُرِفَ الطعام إلى الفقراء، وبيعت الشاة والبعير، فإذا صارت أموالا دُفع منها ذلك إلى العمال بقدر ما يستحقون على عملهم» ويضيف قائلا: «ثم ينظر إلى ما اجتمع من مال الجزية وخراج الأرضين، وما أشبه ذلك فيقطع لنفسه وحشمه وقضاته وأصحاب شرطته والقائمين بأموره ما يكفيهم في سنتهم»(1)، أما ما فاض عن ذلك فيوجهه إلى مصالح المسلمين(2).