كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٢٦١والاختلاف في كل مسألة شرحها من مسائل المتن؛ كان ميَّالا إلى إظهار الاتفاق بين الإباضية والأشاعرة خاصة.
لقد كان عمل الشيخ فيما يخص المقارنات الداخلية بين الإباضية مصححا للمفاهيم ومدققا لاختيار الأدلة في المسائل خاصة فيما خالف فيه الشيخ تبغورين.
بينما تمثل عمله في المقارنات الخارجية في إظهار ما يراه هو الصواب، ومشيرا إلى الخلل الذي يراه في مواقف غير الإباضية.
وبذلك شكل الكتاب نموذجا من المناظرات والجدل بما فيه من إيجابيات وسلبيات في الفكر الإسلامي، ولم يخرج الشيخ اطفيش في هذا عن الانتصار لمذهبه، وكذا لم يتمكن أحيانا من تجاوز هذه العصبية رغم ما عرف عنه من تقدير العلم والتطلع إلى وحدة المسلمين والحث عليها.
وإذا كان الشيخ وفيا لمذهبه في هذا الشرح في حدود المنهج، وفي العمل في إطار روح التفكير فيه، فإنه لم يكن أسير ما قاله سابقوه، بل ظهر جليا رأيه، وموقفه، وسعة اطلاعه، ومحاولته التوفيق أحيانا بين الأقوال خارج المذهب.
وهذه الميزات مما يكسب الكتاب أهميته من حيث عمله على إثراء الفكر الإسلامي بوجهة نظر مخالفة أحيانا للمعهود بين المسلمين، يستفاد منها، وتُعين في الجواب عن كثير من الأسئلة العالقة.
إلاَّ أنه من جانب آخر فإن الشيخ اطفيش لم يخرج عن المعهود القديم منهجا وقضايا إلاَّ في القليل، مما تعامل فيه مع قضايا عصره، واتخذ فيها مواقف تصدر عن إيمان وتوظيف للرصيد العقدي لديه، لكن في البحث تبدو الحاجة ملحة إلى مزيد عمل لتجسيد الوجه المشرق لمثل هذه الأصول بما يحقق المقاصد الشرعية، والأهداف الشريفة منها، في إطار وحدة المسلمين، والسعي في الإسهام للتمكين لدين الله تعالى في الأرض.
وإن تحقيق التراث بدراسات موضوعية وهادفة إلى الاستفادة منه أحسن استفادة، لمن السبل الكفيلة بالاستجابة إلى مثل هذه الغاية، دون الوقوع في التكرير، أو إحياء موات الخلافات واستثارة ضغائن عصور ربما كان لها ما يبررها في وقتها.