كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤إلى الميدان العلمي ولكن كتب إليَّ الإخوان من سانطارنو يطلبون منّي وبكلِّ إلحاح أن أعود إلى دكَّان والدي لإنقاذ التجارة مع شركائه وكان عمري يبلغ 21 سنة. ولكن كتبت إليهم معتذرًا ورافضًا طلبهم لأنَّني أشعر في قرارة نفسي أنِّي خُلقت لإنقاذ أمَّتي، وكانت لي عقيدة راسخة في نفسي لا تتزحزح وتحمَّلت جرَّاء ذلك أشياء كبيرة ملأتني من مفرق رأسي إلى أخمص قدميَّ بأنَّني خُلقت للعلم، وهذا الشعور هو الذي دفعني إلى ذلك الموقف الجريء الذي اتَّخذته يوم وفاة شيخي الذي فارقته على الساعة 11 ليلا وتوفِّي هو على الساعة 12، ووقع النبأ علينا وقتئذ كالصاعقة، فسار فكري إلى كيفية الحفاظ على هذا الحمل الثقيل الذي تركه الشيخ، إنَّه حمل المسؤوليات التي كان يشرف عليها في الأمَّة. إنَّها أثقال سياسيَّة واجتماعية وإصلاحية كلّها كانت ملقاة على رأسه. وأتذكَّر عندما كان الغسَّالة يهيئون جثمان الشيخ ناديت أحد الطلبة ليطوف بجميع زملائه الطلبة فيخبرهم أنَّ اللقاء العامَّ لكلِّ الطلبة سيكون بعد الجنازة مباشرة فمن المقبرة إلى المدرسة. ولقد شعرت بقوّة الاهتمام لحمل هذه الراية في الوقت الذي كان الناس كلُّهم يبكون بالدموع الغزيرة وأتذكَّر تأثُّر الشيخ الحاج محمَّد المؤذِّن لما خرجنا من دار الشيخ قبيل وفاته، وكان يبكي ويقول: إلى أين نذهب إذا مات الشيخ وتركنا؟ وأجبتُه على الفور: «لا تخف لقد ربَّانا لمثل هذا اليوم».
رجع الطلبة كلُّهم من الجنازة إلى دار القراءة فوقفتُ فيهم خطيبا وعزَّيتُهم في فقيدنا الشيخ المرحوم. وقلتُ لهم: إنَّ أيَّام العزاء ثلاث تتعطَّل فيها الدراسة، ومن بعدها يعود النظام الدراسي كما كان ولا ينقصه شيء إلاَّ وجود الشيخ ـــ رحمه الله ـــ وكان ما كان، ورجعت المياه إلى مجاريها.
وكان للشيخ عدُّون الفضل الأكبر في ذلك. ولقد كان قبل ذلك في التجارة بمدينة «سريانة»، ولكنَّه رجع إلى طلب العلم، ولكن عرضوا عليه مُلحِّين أن يرجع إلى التجارة وهو في حالة شديدة من الفقر وطلب الرزق، وهو يتيمٌ طالب نجيب وطال الإلحاح عليه ولكنَّه أصرَّ على البقاء في ميدان العلم وقال لهم: لا أترك العلم أبدًا. ومن الغريب أن تتلاءم أخلاقه وطباعه معي. ومن تلك اللحظة كان هو حامل للراية