كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ٣١٥ولكن الذي أحزننا ما علمنا من مآلنا بعده، وفعلنا في عدمه.
فأطرقنا إطراق المغلوب عل أمره، المتأسف أسف الذي بارت تجارته وضاعت صناعته، وفي ذهنه البداية من الصفر … ! فودَّعنا أستاذنا ولسان حاله يقول:
فَأَلقَتْ بِهَا عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى(1)
كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالإِيَابِ المُسَافِرُ
وكانت الأيام الأخيرة … ، وفيها حاولنا أن نستغل كل دقيقة في قربه وكل لحظة في حضرته؛ آملين التزود منه بقدر المستطاع، والعب من معينه الصافي الزلال ــــ وكي أكون صادقا ــــ ليس في العلم والأدب وحسب، بل في كل مناحي الحياة، فقد كنا نطرح أمامه تصوراتنا وأفكارنا وخطوطنا العريضة في عالم التناقضات الذي نعيشه، ثم هو يعمل مبرد النقد والتهذيب لكل ما نطرحه، حتى ما يعن لنا في حياته الخاصة، ثم ما نلبث أن نجد الإجابة الكافية والشافية.
لا أدري ــــ سيدي ــــ هل أطلتُ في خطابك حدا تجاوز بي إلى الثرثرة والهذر وملء الفراغات، أم قصرت فيه؛ فلم أوف حقك علي ولم أجاوز في شأوك(2) أوله.
وليست الكتابة السبيل الوحيد لتفريغ شحنة العواطف المستكنة في القلوب، لكنك ــــ سيدي ــــ حلفتني إلا الكتابة إليك، ثم إنها حرفة أهل الأدب.
منذ ومن، وأنا أفتش عن قدوة صالحة لي، كنت أرسم لها في مخيلتي صورة، كنت أفقد الأمل بوجودها في أرضنا، وكنت أرسم لها روحا سامية صافية، لكني لم أجد كيانا يملأها أو جسدا يملكها حتى رأيتك وتعرفت إليك، ثم إن المدهش في الأمر، أنني عرفت بعد ذلك أنك واحد من جماعة وبعض من كل، فجميع من عرفت في طريقك كانوا يحملون المعاني الكريمة التي أدهشتني فيك وشدتني إليك.
ها أنت ــــ سيدي ــــ قد رحلت عنا، معلنا فراغا واسعا في حياتنا بعدما كنا ملأناه بك ومعك.
لم يعنا على تحمل فراقك يومها إلا قولك لنا: