كيف نعلم العقيدة في المدارس القرآنية
الجزء ١ · صفحة ١٢١الظروف عملت على تقليص نشاطها وتحديده زمنيا خاصة مع الدخول الفرنسي والاحتكاك مباشرة بدولة مركزية.
ومع حركة الاستقلال امتدت وظائف الدولة إلى عدة قطاعات من المجتمع فقلّصت أو انتزعت بعض الوظائف التي كانت من مهام هيئة العزّابة، لكن هذه الأخيرة استعادت هيبتها وتأثيرها مع نهاية السبعينيات بالتعاون مع المؤسسات الرسمية المحلية ضمن عملية احتواء التغيّر إلا أن مجموعة مؤثرات أخرى مختلفة لم تدع لها الفرصة في ممارستها لعملية الضبط الاجتماعي كضرورة وظيفية، وعلى رأس هذه المؤثرات القيمُ الجديدة الواردة إلى المجتمع والمعاكسة لإيديولوجيتها الدينية.
فقد تعاملت هذه الهيئة في عدّة مواقف مع عملية التغيّر الاجتماعي على مرحلتين:
* ـــ رفض التغيّر خوفاً من عدم التحكّم فيه وربح الوقت لفهم مضمونه.
* ـــ فهم الفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا التغيير وتبنيها بشكل منظّم لاحتوائه.
ونعطي لذلك مثالين:
المثال الأوَّل: فقد وقفت العزّابة بشكل عنيف ضدَّ الهوائيات المقعرة في بدايتها مع منطلق التسعينيات واعتبرت كلَّ من يقتنى هذا الجهاز خارجاً عن نسق القيم يجب أن يقاطع، ثمّ تبنّت بعد ذلك هذه الفكرة بعد حوالي خمس سنوات وأنجزت هي في ذاتها هوائياً مقعراً يبث القنوات التي تراها ضرورية إضافة إلى قناة محلية تبثّ إيديولوجيتها الخاصة. فقد انتقلت الفكرة من الرفض إلى الاقتناع بها على المستوى النفسي ثمّ إلى مستوى التنظيم وجعل هذا الأخير وسيلة حركية لكن كلّ ذلك تمّ في إطار نسق القيم المشترك بين أفراد المجتمع. وقد حدث نفس الميكانيزم حين دخلت الكهرباء لأوّل مرة إلى ميزاب، وجهاز الراديو والتلفزيون.
أمّا المثال الثاني: فيتمثّل في الجانب السياسي أو الرسمي، فكثيرا ما تعرَّضت العزّابة لصراعات بين القرارات العرفية والقرارات الرسمية الإدارية، وكانت تحاول دوماً الهيئة تجنب المجال السياسي، ثمّ عملت على احتواء هذا العنصر الذي كان يهدّدها وذلك باختيار القائمة المرشحة من طرفها وتحريك المجتمع لمساندتها، بذلك تضمن عدم التعارض بين الجانبين، حتّى أصبح الأعضاء المنتخبون سياسيا في بعض القرى يجلسون جنبًا لجنب مع العزّابة.
فالفرد الميزابي لا ينتخب وفقا لاختياره السياسي إنّما وفقا لما تراه الهيئة يخدم مصالح المجتمع. فقد عملت هيئة العزّابة بناء على ذلك بشكل فعّال على التأثير في القرارات السياسية المتخذة فى المنطقة أو توجيهها على الأقلّ. فالانتخابات البلدية والولائية والتي لها ارتباط مباشر بالجماعة الميزابية في المنطقة لا تتمّ على أساس البرامج السياسية أو الاختيار الديمقراطي بقدر ما ترتبط بإرادة هذه الهيئة. بذلك نلاحظ مرة أخرى احتواء الفكرة وتنظيمها وجعلها مصدرا حركيا يخدم الإيديولوجية العامة، في إطار النسق القيمي العام. وكذلك فعلت مع الأنظمة التربوية المختلفة.
7 - نحو تصور نظري لضبطية التغيُّر:
ويمكن إعادة بقاء الهيئة إلى وقتنا الحاضر لمدة عشر قرون لعدّة أسباب متداخلة وبعضها نتيجة الأخرى، ولا يمكن تحديد السبب الأوّلي بسهولة، إلاّ أنّنا يمكن أن نعطي أهمّ المستويات التي نشأت على أساسها الهيئة والتي تشكّل التحاماً فيما بينها والتي ساهمت في استمراريتها، كما تعكس أيضاً عملية الضبط الاجتماعي الصادر عن الهيئة في التعامل مع التغيرات الاجتماعية، وذلك مروراً بأربعة مستويات وداخل دائرة سببيّة مترابطة كما هو موضّح في الشكل التالي: