أحكام السفر في الإسلام علي بن يحيى معمر

أحكام السفر في الإسلام لعلي معمر

الجزء ١ · صفحة ٤

وذلك بعد قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ) فقد اعتبرت المسافات القصيرة بين القرى الظاهرة سفرا مع ان المتنقل بينها قد لايحتاج فيها الى زاد أو ماء أو رفقة فما يخرج من قرية حتى تبدو له قرية أخرى ظاهرة فيصل إليها دون عناء أو بعد عناء يسير وقد يتنقل من هذه القرية الى القرى التي بعدها، قرية بعد قرية، فيسير ليالي وأياما على هذه الطريقة المريحة التي قدر العليم الحكيم مسافات السير والاقامة بها. وقد يسافر الى اقرب قرية فيقضي شأنا من شؤونه ثم يعود، ومعلوم من الآية الكريمة ان القرى متجاورة لايخفى بعضها عن بعض بل انها لتبدو للناظر ظاهرة في وضوح.

والقرآن الكريم يسمي كل ذلك سفرا ما قرب منه وما بعد، على أن هذا القرب وهذا الامن وهذا العمران والازدهار هو ما مله أهل سبأ فكفروا بنعمة الله التي أسبغها عليهم. وطلبوا منه تعالى ان يباعد بين اسفارهم فاستجاب الله لهم فابدلهم عن جنتهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل. ثم جعلهم أحاديث ومزقهم كل ممزق.

وجاء في الكتاب العزيز قوله تعالى: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) والسفر القاصد هو السفر المتوسط والآية الكريمة وان كانت لا تنص على تحديد المسافة أو الزمن إلا أنها تدل على أن من السفر سفرا بعيدا ومتوسطا وقريبا. وأن المنافقين قد يذهبون مع الرسول صلى الله عليه وسلم الى السفر القريب او المتوسط اذا كان ذلك سببا للغنيمة أو الكسب ثم يعودون الى منازلهم في المدينة دون تضحية او خسارة أما عندما يكون السفر بعيدا شاقا وفي زمن الحر ولحرب بني الاصفر فهذا ما لا تطيقه عزائم المنافقين، ولا تدفع اليه عقائدهم المخذولة، واراداتهم الواهنة الضعيفة.

٤ / ٣٩