الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج3
الجزء ١ · صفحة ٣من رحمته سبحانه أن جعل هذه الأمة أمة واحدة في تصوراتها وأفكارها، وفي عباداتها ومعاملاتها، وفي أخلاقها وقيمها، يقول سبحانه: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وتتجسد هذه الوحدة في ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، فقد جعله الله تعالى أسوة وقدوة لهذه الأمة، يقول جلّ وعلا: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا، كيف لا! وقد جسّد عليه السلام كتاب الله واقعا حيا يمشي به بين الناس، نعم، كان قرآنا يمشي في خضوعه وقنوته لله عزّ وجل، كان كثير التضرع والمراقبة لربه سبحانه، وقافا عند حدوده ومحارمه، مسابقا ومسارعا إلى خيراته وفضله، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: "والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم"، وكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أيضا قرآنا يمشي في رحمته وتواضعه، انظروا إلى سعة رحمته عليه السلام، فقد كان رحيما بالكائنات حيها وجمادها، أنسها وحيوانها، فأنس برحمته الفقراء والمساكين، وسكن لحنانه الأرامل والأطفال واليتامى، وصدق الله تعالى فيه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً، وانظروا معي أيضا – عباد الله – إلى تواضعه عليه السلام، فقد كان يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم، فعن أنس قال: "إنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم"، فأنعم به نبيا رسولا، وأكرم به أسوة وقدوة.
أيها المسلمون: