الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج3
الجزء ١ · صفحة ٥إنّ بناء الإنسان المتكامل مربوط باستغلال ما بثه الله تعالى في هذا الكون من خيرات وأرزاق، فجسّد النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، فحث أمته على السير في الأرض لكسب الرزق والمعاش، والاعتماد على النفس والذات، وحذّر أيما تحذير من السؤال والتسول، وقد كان عليه وسلم قدوة لأمته في ذلك، فلا يأكل إلا من عمل يده، وحث أمته على ذلك حيث يقول عليه السلام: "ما أكل أحد طعاما خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده"، وفي الوقت نفسه حذّر الذين يتكاسلون عن العمل، ويعتمدون على غيرهم عن طريق السؤال بقوله عليه السلام: "لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله تعالى ليس في وجهه مزعةُ لحم"- أي قطعة لحم -، فكان نبيكم صلى الله عليه وسلم أسوة لكم في تجسيد قوله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، لتتكامل هذه الأمة بتكامل أفرادها، غذاء الروح بالإكثار من ذكر الله ومراقبته، مع بناء هذه الحياة واستثمارها، وزرعها بالعمل الصالح، وبنائها بالطيب المباح، فنعم المال الطيب للرجل الصالح، فهلا غذينا أرواحنا بحلاوة ذكر الله ومراقبته، وأبداننا بالسعي في أرض الله تعالى واستثمار خيراتها، لنزرع الدنيا صلاحا، ونحصد الآخرة فلاحا ونجاحا.
فاتقوا الله عباد الله، واجعلوا من اختاره الله لكم أسوة وقدوة، مقتفين أثره، ومتأسين بهديه، محققين التكامل الإنساني في الأولى، راجين بذلك الفوز والنجاة في العقبى.