الدرر البهية في الخطب الجمعية (ج3) بدر بن سالم بن حمدان العبري

الدرر البهية في الخطب الجمعية لبدر العبري ج3

الجزء ١ · صفحة ٨

فهذا ظلم في المعتقد والتوحيد، فأصبحت العبودية والألوهية للصنم والحجر، والنار والبقر، بل والجان والبشر، فكثر المشعوذون يأكلون أموال الناس بالباطل، وعمّ الطغاة من الأسياد وأصحاب الجاه، فجعلوا الناس عبيدا لهم، يتلاعبون بجهدهم، ويأكلون أموالهم، ولا يتمتع بخيرات البلاد إلا هم.

وهناك ظلم في الاجتماع والتجانس البشري، فظهرت الطبقية الاجتماعية، فأصبح اللون مقياسا للتفاوت، والقبلية فوق الطاقات والقدرات، بجانب أسر الرياسة والمال، وقد أبيح لهم ليفعلوا ما شاءوا، ويعذّبوا من شاءوا.

ومن الظلم الاجتماعي ظلم الأبوين، وخاصة المرأة، والتي أصبحت تورث إذا مات زوجها، أو تباع في السوق لينتفع بثمنها، بجانب ضربها لأتفه الأسباب، ومن من دفنها حية خوف العار، وأصبحت نهما للذئاب البشرية، يتلاعبون بها بدون رقيب عتيد.

وانظروا إلى الظلم الاقتصادي والمالي، فالمال أصبح دولة بين الأغنياء والرؤساء، وباقي الشرائح يتصارعون على قطع من اللحم، أو رثات من الخبز، ومع هذا أثقلت كواهلهم بديون الربا، والتطفيف في الميزان، فصدق وصف الله فيهم: وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ.

فأي حياة تطاق بعد هذا، وأي عيش يهنأ في جوٍ كهذا، فرحماك ربي رحماك …

هنا ولد الهدى، وانبثق نور الورى، وقد فتحت عيناه في زمن عمه الظلم والجور، وترعرع في صباه وشبابه بين قوم تغطرسوا على العباد، وأكلوا خيرات البلاد …

وهو يرى أبا لهب وزوجه يترفعون على الخلق، ويغتصبون أموالهم بغير حق، ويرى رجالا يضربون على ظهورهم، لكي يخدموا أسيادهم، ويشاهد طفلة جميلة الوجه، تشع حنانا وطفولة، حملها أبوها ليدفنها حية خشية العار والفقر، ويرى عبيدا يسجدون لبشر مثلهم، تقربا وخشية منهم، ويرى الات والعزى يشمخان على جبلي الصفاء والمروة، والناس يسجدون ويتضرعون لهما.

وما بلاد الروم والفرس بأفضل حالا من بلاد العرب،

هذي ديار العرب قاست ظلمة … وجهالة وشقاوة وضلالا

٨ / ١٠٥