البدعة: مفهومها وأنواعها (درس الشيخ بيوض) [ناقص] إبراهيم بن عمر بيوض

البدعة لإيراهيم بيوض - غير تام - ب تخرج

الجزء ١ · صفحة ٢٣

إنَّها الدقَّة في البلاغة والبيان، ولا غرابة فكلام الرسول (ص) مستمدٌّ من كلام الله، وسحر بيانه من سحر بيان الله.

وفي قوله (ص): «ما استطعتم» إطلاق الحريَّة، وهل هناك حرية أكبر من هذه؟ غير أنَّ هذه الحرية مقيَّدة بالاستطاعة، وهذا فيما أُمرنا به، وما كان مِن إبداع أحد فمن باب أولى، وما علينا نحن إلاَّ أن نجتهد في معرفة استطاعتنا، وحدُّ الاستطاعة كلٌّ وما يعرفه من نفسه، لأنَّه يمكن لشخص أن يخدع آخر كأن يقول له: أنا لا أستطيع أن أنوضَّأ، وإذا توضَّأتُ ضرَّني الماء. فيقول له صاخبه: اذهب وتيمَّم. ولكن الشخص الأوَّل يتحمَّل مسؤوليته، لأنَّه أدرى باستطاعته، والمثل الشعبي يقول: «كُلّْ شَاهْ تتعلَّقْ مَن اَكْراعْهَا». فعندا قولك - أيُّها المسلم -: لا أستطيع، يمكن أن تخدع الناس جميعا، ولكنَّ الله لا يُخدع، ولهذا قال النبيء (ص) لرجل مِن أصحابه: «قد أبديتَ لنا عُذرَك فانظُر ماذا تُبدي لربِّك»(1) ، والنبيء (ص) ليس له علم بالغيب إلاَّ ما أخبره الله به، والمفتي دائما يلقي المسؤولية على السؤال.

ويوافق قول النبيء (ص): «فآتوا منه ما استطعتم» قوله تعالى: ﴿فاتَّقوا اللهَ ما استطعتُم﴾(2) ، فكم عندنا الآن من التفويض والحرية المطلقة في قوله: ما استطعتم. ولا شبيه لهذا القول إلاَّ قوله تعالى: ﴿عفا اللهُ عنهَا﴾.

وقد اجتمع الصحابة - مرَّة - في مجلسٍ، وكانوا يسألونه عن أشياء، فغضب غضب شديداً حتَّى عُرف الغضب في وجهه؛ وأنقذ الموقفَ سيِّدنا عمر، إذ رأى احمرار وجه النبيءَ (ص) لغضبه، فقام وبرَكَ على رُكبتيه أمامه عليه السلام وقال: «رضيناَ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمَّد رسولاً»(3) ، فاعتذر بذلك عن الصحابة، وسرِّي عن النبيء (ص).

(2) - سورة التغابن: 16.

٢٣ / ٤٤