البدعة لإيراهيم بيوض - غير تام - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢٤وقد أنزل الله تعالى في هذا المعنى قوله: ﴿يآأيُّها الذينَ ءامَنوا لا تسألوا عن اَشيآء إن تُبدَ لكم تسُؤكم، وإن تسألوا عنها حينَ ينزَّل القرآن تُبدَ لكم، عفا اللهُ عنها، والله غفورٌ حليمٌ﴾(1) : لا تسألوا عمَّا لو أُجبتم عنه تسؤكم إجابته، ويضيق بكم الأمر؛ ولنتأمَّل في قوله تعالى: ﴿عفا الله عنها﴾، ولنتفقَّه في كلمة "عفا" أي لا نبحث ولا نسأل عمَّا هو معفوٌّ عنه من الله، حتَّى لا يُفرض علينا ببحثنا، بعد أن لم يكن فرضا، أو يحرَّم علينا بعد أن لم يكن محرَّما.
وقد روي أنَّ أحدهم سأله مرَّة: «مَن أبي؟» - وهذا مسلم ولكنَّه كان جاهلاً أباه -، فقال (ص): «أبوكَ حُذافة»(2) ؛ وقالت له أمُّه فيما بعد: «ما أعقَّكَ»: ما يدريكَ لعلَ أمَّك قد ارتكبت شيئا في الجاهلية، فيكون سؤالك سببا في فضحها أمام الناس، وقد كنتَ وإيَّاها في غنى عن ذلك.
وسأل النبيءَ (ص) رجلٌ آخرُ: «أينَ أبي؟» - وأبوه قد مات -، قال: «هو في النار»(3) .
كان هذا النهي في وقت نزول الوحي، والرسول (ص) بين أظهرهم، فلو أجيب السائل إلى مسألته لكان وحيا، ولفرض على الناس، فيكون السائل بذلك متسبِّبا في المشقَّة على الناس.
ونحن نعلم أنَّ اللهَ تعالى قد شدَّد على بني إسرائيل لكثرة تشدُّدهم على أنفسهم، وقد قال (ص): «دعوني ما تركتُكم، فإنَّما أهلكَ من كانَ قبلَكم كثرةُ سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم»(4) : فالله تبارك وتعالى أوجب على بني إسرائيل بعض الواجبات، وحرَّم عليهم بعض المحرَّمات، مكراً فيهم لمكرهم، والقرآن شهيد على ذلك: ﴿فبظلمٍ من الذينَ هادُوا حرَّمنا عليهم طيِّباتٍ أُحلَّت لهم﴾(5) ، قوله ﴿فبظلم﴾ يفيد أنَّه تعالى ما شدَّد عليهم إلاَّ لتشدُّدهم على أنفسهم.