البدعة لإيراهيم بيوض - غير تام - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢٥فكلُّ أقواله أفعاله (ص) تدلُّ على أنَّ الأصل في التطوُّع تركُ الحريَّة المطلقة للمتطوِّع، فهو عليه السلام لم يتدخَّل في هذا الأمر أبدا، إلاَّ إذا رأى منكَراً، كما هو الحال بالنسبة للذي رآه يصلِّي ولا يقيمُ صُلبه في الركوع والسجود، فنهاه(1) .
وقد كان (ص) يدخل المسجد، ويجد الصحابة متفرِّقين: هذا يقرأ القرآن، وهؤلاء يتذاكرون العلم مجتمعين، وذاك يصلِّي، وآخر يسبِّح… وهذه كلّها مبرَّات لا قيد فيها، لأنَّ التحديد يوجب التضييق والتقييد، وهذا منافٍ لمقصد اليسر في الدين(2) .
هذا في المسجد، وأمَّا في البيوت وغيرها فلا يعلم (ص) ما يفعله أصحابه فيها، إلاَّ إذا كانت مصادفة، مثل ما حدث مع بلال رضي الله عنه الله عنه؛ ففي صبيحة يومٍ لمَّا فرغ عليه السلام من صلاته نادى بلالاً، وقال له: «أخبرني بأرجى عمل عملتَه، فإنِّي سمعتُ خشفةَ نعليكَ في الجنَّة؟» وفي رواية: «خشخشتَك»، فقال له سيِّدنا بلال: «ما صنعتُ شيئاً إلاَّ أنِّي كلمَّا أذَّنتُ صلَّيتُ ركعتينِ»، وفي رواية: «إذا توضَّأتُ وضوء تامًّا في ساعة من ليل أو نهارٍ صلَّيت ركعتين» وفي رواية: «كان لله عليَّ صلاةٌ» وفي رواية ذكر الوضوء دون الصلاة. فقال له (ص): «هذه التي سبقتَني بها إلى الجنَّة»(3) . فهذه بشارة عظيمة لبلالٍ.
واللفظ دالٌّ دلالة واضحة أنَّ النبيء (ص) لم يكن يعلم ما يفعله بلال في بيته، ولا بعد أذانه، ولذلك سأله. والملاحظ أنَّ هذا العمل من اجتهاد بلال رضي الله عنه وليس من أمر النبيء عليه السلام. فمن هذا الحديث نفهم الحريَّة المطلَقة التي تمتَّع بها الصحابة رضوان الله عليهم في عباداتهم وأعمالهم.