التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان للمغاوري محمد الفقي
الجزء ١ · صفحة ٣٥وبعد، فيبدو لى أن القول بجواز التفريق بين الزوجين إن طالت غيبة الرجل حتى تضررت زوجته منها بأن خشيت على نفسها الفتنة، هو الأولى بالاعتبار من غيره، حتى وإن تيسرت لها النفقة، لأن مطالب الجسد لا تنحصر في السكن والغذاء والكساء، فالحياة الزوجية تعنى الدفء والاستقرار، وتعنى المودة والرحمة، ومن مقاصدها إعفاف كل من الزوجين الآخر، وهذه أمور لا يحققها إلا الاستقرار ورعاية رب الأسرة لها.
فإذا غاب الزوج عن زوجته مدة طويلة فإن غيابه بالنسبة لها –بحكم الطبيعة البشرية– أمر شديد الضرر بالغ الخطر، أما ضرره فيتعلق بآثاره السلبية على الصحة النفسية، وأما خطره فيكمن في أثره على الكيان الأخلاقى، إذ إن المُغِيبَة(1) حينئذ، إما أن تبقى في حرمان مستمر وكبت دائب، ومعاناة لا تقف عند حد، وإما أن تطيع هوى نفسها وتستجيب لشيطانها فتنغمس في الفحشاء، وتبوء بأوزارها، لا سيما وأن هذا الزمان يعج بأسباب الانحراف وفساد الأخلاق(2) ، وهنا قد لا يقتصر الضرر على المرأة وحدها بل ربما انتشر في أوصال المجتمع بأسره، وقد ذكرنا في ثنايا البحث أن النصوص الشرعية والقواعد الكلية قد أكدت على النهى عن إمساك المرأة ضررا، وعلى أنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وأن الضرر يجب أن يزال، وإزالته هنا تكون بواحد من ثلاثة أمور: إما أن يعود الرجل إليها، وإما أن ينقلها إليه، وإما أن يطلقها كى تحل من بعده للأزواج، فإن أبى الزوج ذلك كله، كان ظالما، وكان للقاضى أن يفرق بينهما، إذ القاضى منوط به رفع المظالم.
(1) يعنى: التى غاب عنها زوجها.
(2) فهناك الصور العارية، وقصص العشق والغرام، والأغانى الخليعة المثيرة، وغير ذلك مما أطلق بعض الناس من الأربطة والخيوط التى نسجها الإسلام لضبط شهوات النفس والتحكم في غرائزها.