التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان للمغاوري محمد الفقي
الجزء ١ · صفحة ٤٢ويبدو لي أن القول بأنها فسخ أولى بالاعتبار من القول بأنها طلاق، وذلك لأن الطلاق ملك للزوج دون غيره، والقاضي عندما يقوم بالتفريق بين الزوجين إنما يقوم بناء على ولايته العامة في رفع الضرر عن الناس، لا باعتباره نائبا عن الزوج (إذ الزوج لم يُنِب القاضي عنه في التطليق، بل قد لا يرضى بتطليقه أصلا) وهذا لا يبيح له أن يتعدى على حق الزوج الشخصي في الطلاق ما دام هناك طريق آخر لرفع الضرر وهو الفسخ.
ثم إن القول بأن تفريق القاضي طلاق يعني أنه يحسب على الزوج طلقة من غير إرادته وهو صاحب الحق الشرعي فيه، وقد يكون مسبوقا بطلقتين فتحرم المرأة عليه حتى تتزوج زوجا غيره، ومن ثم يتضرر الزوجان لعدم العودة، وكذلك الأولاد إن كان بينهما أولاد، أما إذا اعتبرناه فسخا فإن باب إعادة الزوجية يبقى مفتوحا، وبهذا تضيق دائرة الطلاق من جهة، ويرتفع الظلم عن المرأة من غير إضرار بغيرها من جهة أخرى.
هذا إلى أن الطلاق الذي لا مناص من حسبانه على الزوج هو الذي تنبعث دواعيه من نفسه، فيوقعه عن رغبة واقتناع بضرورته، ولهذا قلنا إنه حق شخصي، أما أن يقع الزوج في ظروف معينة لا يرضاها غالبا، ثم تتضرر بها المرأة، فيقال له: طلق وإلا طلقنا عنك، فإنا نراه تحكما في دخيلة نفسه، وإكراها له على ما لا يرضى، وطلاق المكره لا يقع كما قال الأكثرية، لذا نقول: فَلْيَفسَخْ القاضي الزواج دفعا للضرر الظاهر عن المرأة، ولْيدَعْ للزوج حقه الخالص في الطلاق(1) .
وإني لأرجو الله تعالى أن يوفق القائمين بإصلاح قوانين الأسرة إلى تقرير ذلك، فيجعلون تفريق القاضي فسخا في جميع أحواله، لتنال الأسرة ما وراء هذا من نفع وخير في ظل الشريعة الخالدة.
المطلب الرابع
(1) يراجع / الفرقة بين الزوجين للأستاذ / علي حسب الله ص 118، الوجيز لأحكام الأسرة في الإسلام د/ محمد سلام مدكور، ص312 نشر دار النهضة العربية-القاهرة .