التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان للمغاوري محمد الفقي
الجزء ١ · صفحة ٦٣وقد يرد عليه: بأنه على فرض التسليم بصحة ما روى عن عمر بن الخطاب وعدم الرجوع عنه فإنه لم يخرج عن أنه قول صحابي فيما هو محل الاجتهاد، وقد خالفه فيه غيره من الصحابة كعلي بن أبي طالب وابن مسعود، ومن ثم فليس فيه حجة(1) .
ثانيا: واستدل المالكية على الحكم بوفاة المفقود بمضي سنة في بعض الحالات بالقرائن التي تفيد غلبة الظن، فإن فقد الشخص في المعركة ثم لا يظهر له خبر بعد مرور سنة من وضع الحرب أوزارها مع البحث والسؤال عنه ومكاتبة الجهة التي غاب فيها بأمره قرينة تفيد غلبة الظن بموته، والعمل بالقرائن معتبر شرعا(2) .
الرأي المختار:
اتضح لنا مما تقدم أن المسألة لم يرد بخصوصها نص شرعي صحيح، وأن فقهاء الصحابة ومن بعدهم لم يجمعوا فيها على رأي واحد، بل اختلفوا كما سبق، إذن لا مناص من الرجوع في حكمها إلى قواعد الشريعة ومقاصدها العامة في ضوء التقدم والتطور الهائل الذي شهده عصرنا الحاضر في وسائل الانتقال والاتصال الحديثة التي حولت العالم الفسيح إلى قرية صغيرة.
ولا ريب أن القول بأنه لا يحكم بوفاة المفقود أبدا، أولا يحكم بوفاته إلا بعد موت أقرانه الذين هم من سنه، قول فيه من الضرر الكبير والحرج الشديد على المستحقين في تركته ما لا يخفى، وبخاصة في هذا الزمان الذي تطورت فيه أساليب التحريات وانتشرت فيه القنصليات والسفارات في أنحاء العالم الأمر الذي سهل البحث عن المفقودين ومكن من سرعة اتخاذ قرار بحسب غلبة الظن في شأنهم، ثم إن موت جميع أقرانه يصعب الوقوف عليه، وفي الوقت ذاته لا دليل عليه، يقول صاحب سبل السلام معقبا على اختلاف الفقهاء في تحديد السن التي يحكم بعدها بموت المفقود: "وهذا كما قال بعض المحققين قضية فلسفية يتبرأ الإسلام منها، إذ الأعمار قسم من الخالق الجبار"(3) .
(1) يراجع / المحلى 10/138، فسخ النكاح ص484.
(2) يراجع / المنتقى للباجي 4/91.
(3) يراجع / سبل السلام شرح بلوغ المرام 3/208.