التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان المغاوري محمد عبد الرحمن الفقي [دارس عن الإباضية]

التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان للمغاوري محمد الفقي

الجزء ١ · صفحة ٧

يرى المالكية والحنابلة في المعتمد عندنهما أن الزوجة إذا غاب عنها زوجها غيبة طويلة تضررت منها بأن خشيت على نفسها الوقوع في الزنا جاز لها طلب التفريق بينها وبينه حتى وإن كان قد ترك لها مالا تنفق منه على نفسها، ويقبل قولها بيمينها في إدعائها هذا الضرر(1) ،لكن القاضى لا يجيبها إلى طلبها إلا بعد أن يكتب إلى زوجها- إن كان معلوم المكان وتصله الرسائل – ويخيره بين أن يرجع إلى زوجته أو ينقلها إليه حيث يقيم أو يطلقها، ويمهله مدة مناسبة بنظره، فإن اختار شيئا مما ذكر ونفذه سقطت الدعوى، وإن أبى ذلك كله أو لم يرد بشىء وقد انقضت المدة المضروبة له أو لم يكن له مكان معروف أو كان مكانه لا تصل الرسائل إليه طلق عليه القاضى بطلبها التفريق منه(2) .

(1) لأنها تدعى أمرا لا يعرف إلا من جهتها ولا يتأتى لها إثباته، وليس من الضرورى هنا أن تقول المرأة للقاضى في تبجح وبلا حياء: أطلقنى من قيد هذا الرجل الغائب وإلا زنيت، بل يكفي أن تذكر في صحيفة دعواها أنها تضررت من غيبة زوجها، ، لأن تصريحها بالخوف من الوقوع في الزنا قد يمس سمعتها وشرفها،وربما يمنعها أصلا من رفع دعواها، وعلى القاضى أن ينظر بعمق إلى سن المرأة التى جاءت تشكو إليه غياب زوجها، وإلى بيئتها التى تعيش فيها، وإلى المدة التى عاشتها انتظارا لزوجها الغائب قبل رفع دعواها بالتفريق، وحينئذ يستطيع أن يقف على ما تعانيه المرأة من بعد زوجها عنها من غير تصريح منها .

(2) قال أحد الباحثين المعاصرين مانصه:" لم أجد واحدا من أهل العلم من الصحابة أو التابعين أو الأئمة أجاز التفريق بسبب غيبة الزوج مادام حيا ".

يراجع / الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردنى د/ عمر سليمان الأشقر ص 268 ط/ دار النفائس - الأردن.

وفي ص 270 من نفس الكتاب قال:" وقد توهم بعض الباحثين المعاصرين أن المالكية والحنابلة أجازا التفرقة بسبب غيبة الزوج مع تيقن حياته، وهذا غير صحيح ".

وأقول:

إن التحقيق ما ذكرته في الصلب، وإليك طرفا من نصوص المالكية والحنابلة من كتبهم المعتمدة:

جاء في حاشية الدسوقى 2/ 431 ط/ دار الفكر بيروت – مانصه:" لا يطلق على من ترك الوطء لغيبته إلا إذا طالت مدة الغيبة وذلك كسنة فأكثر عند أبى الحسن، وهو المعتمد، وقال الغريانى وابن عرفة: السنتان والثلاث ليست بطول بل لابد من الزيادة عليها، ولابد أن تخشى الزنا على نفسها، ويعلم ذلك منها وتصدق في دعواه حيث طالت مدة الغيبة، وأما مجرد شهوتها للجماع فلا يوجب طلاقها، ويزاد على هذين الشرطين شرط ثالث وهو: الإرسال إليه إن علم محله وأمكن الوصول إليه وإلا فلا يعتبر هذا الشرط، وهذا كله إذا كانت نفقتها دائمة وإلا طلق عليه حالا لعدم النفقة ".

وجاء مثل ذلك في شرح الزرقانى على مختصر خليل 4 / 155ط دار الفكر – بيروت -، وحاشية البنانى بهامش الزرقانى 4/ 155 ط دار الفكر – بيروت.

وجاء في النوازل الجديدة الكبرى المسماة بـ( المعيار الجديد الجامع المعرب عن فتاوى المتأخرين من علماء المغرب ) لأبى عيسى الوزانى 4/ 126 ط/ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب مانصه: "رجل اتهم بقتل آخر وصدر الحكم عليه بالخدمة الشاقة مدة عشرين سنة، وله زوجة، وهو ملىء كلف من ينفق عليها ويقوم بشؤونها كما يليق بها إلى أن يسرح بعد انقضاء تلك المدة، ثم إن المرأة طلبت أن تطلق عليه بدعوى عدم صبرها على ترك النكاح هذه المدة، هل تجاب إلى ذلك لما يلحقها من الضرر؟ فأجيب: إن شكت المرأة ضرر ترك الوطء ولم تصبر عليه واختارت الطلاق فلها ذلك كما نص عيه غير واحد.

قال اللخمى: للمرأة القيام بالطلاق لعدم الإصابة في حضور الزوج وغيبته، وقال المازرى: لا.

وفي ص 133 من نفس المرجع ما نصه:" فالمعتمد والأقوى الذى يتعين القضاء والفتوى به هو تطليق المرأة بتضررها من ترك الوطء ".

أما مغنى ابن قدامه فقد جاء في ج 7ص 31 ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت - مانصه: "وإن سافر عن امرأته لعذر وحاجة، سقط حقها من القسم والوطء وإن طال سفره، وإن لم يكن له عذر مانع من الرجوع، فإن أحمد ذهب إلى توقيته بستة أشهر، فإنه قيل له: كم يغيب الرجل عن زوجته؟ قال: ستة أشهر، يكتب إليه فإن أبى أن يرجع فرق الحاكم بينهما ؛ وإنما صار إلى تقديره بهذا بما رواه أبو حفص بإسناده عن زيد بن أسلم قال: بينما عمر بن الخطاب يحرس المدينة فمر بامرأة في بيتها وهى تقول:

تطاول هذا الليل واسود جانبه … وطال علي ألا خليل ألاعبه

ووالله لولا خشية الله وحده … لحرك من هذا السرير جوانبه

فسأل عنها فقيل له: هذه فلانة زوجها غائب في سبيل الله، فأرسل إليها امرأة تكون معها وبعث إلى زوجها.... الخ القصة، وسئل أحمد، كم للرجل أن يغيب عن أهله؟ قال: يروى ستة أشهر. وقد يغيب الرجل أكثر من ذلك لأمر لابد له، فإن غاب أكثر من ذلك لغير عذر فقال بعض أصحابنا: يراسله الحاكم فإن أبى أن يقدم فسخ نكاحه ".

وفي الفروع لابن مفلح 5/ 322ط / عالم الكتب بيروت مانصه:" وإن سافر فوق نصف سنة وطلبت قدومه فأبى بلا عذر فرق بينهما، قيل: إن وجب الوطء، وقيل: أو لا "

وفي نفس الصفحة:" وخرج ابن عقيل قولا: لها الفسخ بالغيبة المضرة بها ولو لم يكن مفقودا كما لو كوتب فلم يحضر بلا عذر، وفي المغنى في امرأة من علم خبره كأسير ومحبوس: لها الفسخ بتعذر النفقة من ماله وإلا فلا ".

وفي الإنصاف لعلاء الدين المرداوي 8/ 355 ط/ دار إحياء التراث العربى – بيروت ما نصه أيضا:" وإن سافر عنها أكثر من ستة أشهر فطلبت قدومه لزمه ذلك إن لم يكن عذر، فإن أبى ولم يكن له عذر فطلبت الفرقة فرق بينهما ".

ويقول ابن تيمية في الاختيارات الفقهية ص 247 ط/ دار المعرفة – بيروت -:" وحصول الضرر للزوجة بترك الوطء مقتض للفسخ بكل حال، سواء كان بقصد من الزوج أو بغير قصد، ولو مع قدرته وعجزه كالنفقة أولى، للفسخ بتعذره في الإيلاء إجماعا ".

إذا علمت هذا – عزيزى القارىء – علمت أن المالكية والحنابلة في المعتمد عندهم يرون جواز التفريق بين الزوجين بسبب غيبة الرجل عن زوجته بالشروط المذكورة عند كل منهما، وعلمت أيضا أنه لا عبرة بما قاله بعض الباحثين المعاصرين توهما من أن المالكية والحنابلة لا يرون التفريق للغياب.

٧ / ٨٦