التفريق القضائي بين الزوجين للغيبة والفقدان للمغاوري محمد الفقي
الجزء ١ · صفحة ٧٨أما إذا رفع أحد ورثة المفقود أو أحد المستحقين في تركته حاله إلى القاضي طالبا الحكم بموته، وقد حكم القاضي له به، وذلك بعد مرور مدة يغلب على الظن أنه قد مات، فحينئذ تنحل زوجيتها منه، وتعتد وجوبا عدة الوفاة، وتبين منه بانقضاء العدة، لأن القضاء حجة متعدية، فتلزمها الفرقة به. وهو قول عامة أهل العلم خلافا لابن حزم الذي يرى أنه لا يجوز فسخ نكاح المفقود أبدًا.
وهنا يثور تساؤل هام وهو: متى يحكم القاضي بوفاة المفقود ومن ثم تنحل زوجيته؟
جمهور الفقهاء يفرق بين من يُفقَد في غيبة ظاهرها السلامة، كمن يسافر للتجارة أو طلب العلم أو السياحة، أو غير هذا، ثم لم يعد، وخفيت أخباره وانقطعت، وبين من يُفقَد في غيبة ظاهرها الهلاك، كمن في ساحة القتال، أو ينكسر به مركب فيغرق بعض رفقته أو نحو هذا.
فإن كان ظاهر غيبة الزوج السلامة: فإن أكثرهم يرون أنه حيٌّ قضاءً، ولا يمكن الحكم بموته –ومن ثم لا تنحل زوجيته- إلابعد التعمير الغالب أو يموت أقرانه.
على اختلاف فيما بينهم في تقدير ذلك، فقيل: مائة وثلاثون سنة، وقيل: مائة وعشرون، وقيل: تسعون، وقيل: ثمانون، وقيل: سبعون.
وذهب الشافعي في القديم إلى أن القاضي يحكم بموته بعد مرور أربع سنوات من غيبته، ثم تعتد المرأة أربعة أشهر وعشرا، لوفاته حكمًا، ثم تحل بعدها للأزواج.
أما إن كان ظاهر غيبته الهلاك: فعلى رأيين:
الأول: أن القاضي يحكم بموته إذا مرت على فقده أربع سنوات، وساعتَها تعتد زوجته عدة الوفاة لوفاته حكما، ثم تبين منه بانقضاء عدتها.
وهو قول ثُلّة من الصحابة والتابعين، وهو مذهب الإباضية والحنابلة في الظاهر والشافعي في القديم.
الثاني: أن القاضي لا يحكم بموته حتى وإن كان ظاهر غيبته الهلاك، ما لم تثبت وفاته بالبينة أو بموت أقرانه. يعني لا تنفك زوجيته عند هؤلاء حتى يتبين موته بالدليل، أو بالحكم بوفاته بعد موت أقرانه، أو التعمير الغالب.