الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٨٣…أقول: والمختار من هذه الأقوال هو ما عليه الجمهور من حرمة الكلام والإمام يخطب، سواء كان المتكلم بمكان يسمع فيه الخطبة، أو بمكان لا يسمعها فيه، لعموم الأحاديث الدالة على حرمة ذلك، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت)، وقوله صلى الله عليه وسلم:( من قال صه فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له، وهو كمثل الحمار يحمل أسفارا)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (يحضر يوم الجمعة ثلاثة نفر، رجل حضرها بلغو وهو حظه منها، ورجل حضرها يدعوا، فهو رجل دعا الله عز وجل، إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام)، ففي هذه الأحاديث دليل على حرمة الكلام والإمام يخطب، وهي عامة لمن كان قريباً من الإمام يسمع الخطبة ولمن كان بعيدا منه. وعن عثمان أنه كان يقول: استمعوا وأنصتوا، فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع. ومثل هذا لا يُقال إلا عن توقيف، فهو نص على المطلوب، ولا بأس بتشميت العاطس، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا عطس أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة فشمتوه)، قال أنس: فكنا نشمته تارة باللفظ، وتارة بالإشارة. وأما رد السلام، فيحتمل أن يقاس على تشميت العاطس، فيقال بجوازه، لأن كلاً منهما فعل معروف، مأمور بفعله، ويحتمل أن يفرق بينهما فيمنع رد السلام دون تشميت العاطس، ووجه الفرق بينهما هو – أنه إنما نُهينا عن الكلام والإمام يخطب، مخافة الاشتغال عن سماع الذكر الذي أمرنا بالسعي إليه، وفي رد السلام ما يشغل عن ذلك، لكثرة الداخلين، ولا كذلك التشميت، فإنه لا يكون في غالب الأحوال إلا نادراً والله أعلم.
…