الحجج المقنعة في صلاة الجمعة
الجزء ١ · صفحة ٨٥…وأما تخطي رقاب الناس فقال ابن بركة: لا يجوز لما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة، اتخذ جسراً إلى جهنم)، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل رآه يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت)، وروي عنه أنه قال: (من يتخطى رقاب الناس ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه في النار). والقصب هي الأمعاء والمصارين، قاله أئمة اللغة – في هذه الأحاديث دليل على تحريم تخطي رقاب الناس يوم الجمعة، بل دليل على أن فعل ذلك كبيرة، لما يترتب عليه من الوعيد الشديد.
…وفصَّل الإمام الكدمي رضي الله عنه بينما إذا حصل من تخطي الرقاب أذىً لمن يتخطاه، وبين ما إذا لم يحصل أذى، فقال بحرمته في الصورة الأولى، وبكراهيته في الصورة الثانية، إلا إذا أراد به معنى يندب إليه كسد فرجة في الصف، وكذا حرَّم التخطي لأجل معنى فاسد كطلب الرياسة والتقدم في المنزلة ونحو ذلك، وهذا التفصيل إنما أخذه من إشارة قوله صلى الله عليه وسلم لمن يتخطى رقاب الناس: (اجلس فقد آذيت)، فإشارة الحديث إن الأمر بالجلوس والإمساك عن تخطي الرقاب إنما هو لأجل حصول الأذى من ذلك المتخطي وقاس على الأذى المعنى الفاسد، كما تقدم، ويدل على تفصيله المذكور، ما روي عنه صلى الله عليه وسلم – أنه كان ينهى عن تخطي رقاب الناس إلا لحاجة. وروي – أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا إذا رأوا أمامهم فرجة قريبة يتخطون الرقاب إليها ليسدوها، ففي هذه الأحاديث دليل على ما قاله الإمام الكدمي رضوان الله عليه، فيحمل ما تقدم من أحاديث الوعيد على من تخطى رقاب الناس فآذاهم، أو كان تخطيه لمعنىً فاسد، بدلالة هذه الأحاديث، فهي في حكم المخصص لما تقدم، والله أعلم.
…
…
الإقامة